د.شامان حامد
الصحة ليست كل شيء، لكن من دونها يصبح كل شيء بلا قيمة، فلم يعد التحول الصحي في مملكة الإنسانية مجرد إصلاح إداري أو إعادة هيكلة مؤسساتية، بل بات مشروعاً وطنياً لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والنظام الصحي، لتُعيد تعريف معنى النظام الصحي الحديث، فمع إعلان انتقال 15% من التجمعات الصحية إلى شركة الصحة القابضة، ودخول المملكة المرحلة التنفيذية الكاملة للتحول حتى نهاية 2027، تتبلور تجربة صحية تتجاوز منطق العلاج إلى صناعة الوقاية وجودة الحياة..
والسؤال الأهم هو ماذا يعني انتقال 15% من التجمعات الصحية؟
فانتقال 3 تجمعات صحية إلى الصحة القابضة لا يُقرأ كنسبة رقمية فحسب، بل كتحول نوعي في الحوكمة الصحية..
هذا الانتقال يمثل المرحلة الثانية من التحول الصحي، حيث تنتقل المنظومة من التخطيط والتجريب إلى التنفيذ الشامل.
حيثُ شمل أكثر من 62 ألف موظف من الكوادر الصحية والإدارية، وكانت نسبة قبول 99.9%، وهي من أعلى نسب القبول في عمليات التحول المؤسسي عالمياً، كما تم نقل الأصول والموارد التشغيلية إلى نموذج أكثر استقلالية ومرونة.
لقد سارعت المملكة لنموذج الرعاية الصحية.. تحول مبكر أثبت صلابته قبل جائحة كوفيد-19، وهو ما منحها أفضلية حاسمة.
تشكيل 20 تجمعاً صحياً ولا ننسى هنا إدارة أكبر حشد عالمي في مواسم الحج والتجمعات الكبرى، هذا النجاح لم يكن صدفة، بل نتيجة نموذج رعاية يركز على التكامل بين الوقاية، التشخيص، والعلاج.
ففي المرحلة الأولى مكّن النظام الصحي من استجابة سريعة وفعالة للجائحة وناجحة، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات وهو ما صنف المملكة ضمن أفضل الدول للعيش أثناء الجائحة وفق تقارير دولية..
وكانت المرحلة الثانية.. انتقالية تنفيذية من الوزارة إلى المشغّل، حيثُ تم نقل 15% من التجمعات فعلياً، وكانت الخطة تستهدف نقل 50% خلال عام واحد، والـ50% المتبقية في العام التالي..
وهنا تتحول وزارة الصحة إلى مُنظم ومشرّع، فيما تتولى الصحة القابضة التشغيل..
في فصل جديد حاسم بين التنظيم والتشغيل يُعد من أفضل الممارسات العالمية في الأنظمة الصحية المتقدمة.
أما الوقاية..
فالرقم الذي لا يكذب هو وضع الوقاية في قلب النظام، وهو ما انعكس مباشرة في المؤشرات حيث انخفضت وفيات حوادث الطرق بنسبة 60%، ووفيات الأمراض المعدية بنسبة 50%، ووفيات الأمراض المزمنة بنسبة 40%، بينما انخفضت وفيات الإصابات الأخرى بنسبة 30%..
أما في موسم الإنفلونزا الأخير، حققت السعودية رقماً قياسياً في تغطية لقاحات الإنفلونزا، في وقت عانت فيه دول متقدمة من ضغط شديد على أنظمتها الصحية، وبالتالي كانت نتائج متوسط العمر المتوقع قد تجاوز 79 عاماً، فعدد السنوات التي يعيشها المواطن في المرض انخفض إلى نحو 3 سنوات فقط مع تحسن تجربة المستفيد وجودة الخدمات في جميع المناطق دون تمييز.
إن القيادة الحكيمة تُقاس بقدرتها على حماية صحة شعوبها قبل أي شيء آخر، وما يحدث في السعودية ليس مجرد إصلاح صحي، بل تحول في فلسفة الدولة تجاه الإنسان هو (الاستثمار في الوقاية، تمكين الكوادر، وفصل الأدوار المؤسسية)، كلها عناصر تصنع نظاماً صحياً مستداماً.