عمر إبراهيم الرشيد
يُعرف عن الألمان تمسكهم بلغتهم لدرجة أنك لو سألت ألمانياً صادفته هناك عن معلم أو عنوان بلغة غير لغته فلن يرد عليك، حتى ولو كان ملماً باللغة الإنجليزية. اللغة هوية حضارية ومكون وطني وثقافي واجتماعي لأي أمة. وهذا ينطبق على اليابانيين والفرنسيين وغيرهم ممن يعتزون بلغاتهم، فما بالنا نحن؟!
حقيقة مؤسف ما وصل به حال كثير من أبناء العربية من عقوق للغتهم، إن على المستوى الفردي أو قطاع الأعمال والتجارة وبعض المؤسسات الخاصة. فنظرة على لوحات الكثير من المحال والمعارض التجارية كافية لتأكيد هذا الحال. أما قطاع الإعلام الخاص تحديداً ولي الألسن بداعي ركوب الموجة والعصرية، من قبل كثير من المشتغلين في هذا القطاع فالأمر حقيقة يثير الاشمئزاز، وهو سطحية في الوعي الحضاري ومكونات الهوية وضحالة ثقافية ولا تفسير آخر لهذا الانفلات والركاكة اللغوية. حقاً لقد أثلج الصدر إعلان مجلس الوزراء الموقر مبادئ السياسة الوطنية للغة العربية والتأكيد على القطاعين العام والخاص، وقطاع الأعمال والإعلام على ترسيخ وتعزيز حضورها، وفي البحث العلمي والمشهد الثقافي والفني، وهذا ما سيعزز حضورها ويعيد هيبتها لدى الجمهور وبخاصة فئة الشباب بعدما عصفت الثورة الرقمية بمصطلحاتها ولغتها الأجنبية بلغتهم الأم.
ولي هنا وقفتان، الأولى أن ما ذكرته آنفاً عن أسماء المحلات والمعارض التجارية بمختلف أنشطتها واعتماد الكثير منها أسماء أجنبية، فإني يحدوني الأمل بصدور نظام يمنع استخدام أسماء غير عربية، عدا فروع الشركات الأجنبية، وبتوجيه من المقام السامي وامتداداً لصدور نظام السياسة الوطنية للغة العربية، لأن ترك هذا الأمر لوعي القطاع التجاري لن يجدي.
الوقفة الثانية، ما يخص الدراسة الجامعية والأقسام العلمية كالطب والهندسة وغيرها من العلوم التطبيقية والنظرية، فالطالب يعاني الأمرَّين، فهو يحتاج إلى ترجمة المواد التي يدرسها كي يستوعبها، وهذا من أول أسباب عزوف وانسحاب كثير من الطلاب والطالبات من تلك الأقسام إلى أخرى أسهل. ولا ننسى التأكيد على أن دولاً صناعية سبقتنا تعتمد تعليمها الجامعي بلغاتها مثل ألمانيا واليابان والصين وكوريا الجنوبية ودول مجموعة البريكس، فماذا لو تمت ترجمة ولو بعض تلك المناهج وبالتدريج تسهيلاً وتشجيعاً لأبنائنا للالتحاق بتلك الكليات، وتأكيداً على حيوية لغتنا وقدرتها على استيعاب كافة العلوم والمعارف وتغير الأجيال والعصور، وتوكيداً لما جاء في السياسة الوطنية للغة العربية التي أصدرها مشكوراً مجلس الوزراء السعودي الموقر. اللغة العربية أُمُّ اللغات وتاجها، ويكفيها مجداً أن الله تكلم بها.
إلى اللقاء