اللواء الركن م. د. بندر بن عبدالله بن تركي آل سعود
الحمد لله الذي بلَّغنا سيِّد الشهور هذا، خيراته تترى، فأوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتقٌ من النار، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، أنزل الله فيها القرآن دستوراً يحكم حركة الحياة، وإنذاراً للعباد قبل العقاب رحمة بهم.
الحمد لله الذي بلَّغنا هذا الشهر الفضيل العظيم، الذي نهتم فيه أكثر بصلة الأرحام والتواصل الاجتماعي والإحسان إلى المحتاجين. وبالطبع هذا غير ما ينتظره كل من يصوم إيماناً واحتساباً للأجر عند الله - عزَّ وجلَّ - من ثواب عظيم يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
إضافة إلى كل ما تقدَّم من هذا الخير العميم في شهر الخير هذا، تحل علينا نحن السعوديين فيه مناسبتان وطنيتان عزيزتان علينا غاليتان: ذكرى يوم التأسيس التي تحل في الثاني والعشرين من شهر فبراير من كل عام، وتوافق هذا العام اليوم الخامس من سيِّد الشهور هذا، ذلكم اليوم الذي تم فيه وضع اللبنة الأولى في هذا الصرح الشَّامخ الباذخ، الذي نتفيأ كلنا ظلاله الوارفة اليوم، إذ تحوَّلت تلكم اللبنة القوية المتينة الرَّاسخة، إلى دولة قارة.
ويوم العَلَم الذي يحل عادة في اليوم العاشر من شهر مارس من كل عام، ويوافق اليوم الثاني والعشرون من هذا الشهر العظيم، وهو يوم نحتفي فيه بأغلى راية في العالم وأعزَّها، إذ تحمل كلمة التوحيد من ثلاثة قرون، وستبقى كذلك تحمل النور المسطَّر إلى العالم أجمع، إلى الأبد إن شاء الله، والعَلَم ليس قطعة قماش كيفما اتفق هكذا فحسب كما يتوهم البعض، بل هو رمز هويتنا وتاريخنا وقيمنا الوطنية والروحية، تعبيراً عن عزَّتنا وشموخنا واستقلالنا وسيادتنا ووحدتنا الوطنية، وتلاحم هذا الشعب الوفي مع قيادته المخلصة الرشيدة.
الحقيقة أول ما أمسكت بالقلم لكتابة مقالي هذا اليوم، تزاحمت الأفكار في ذهني، غير أن ثمَّة مقولتين شهيرتين خلَّدهما التاريخ، استأثرتا بالمقدمة. والمفارقة العجيبة الغريبة أنهما على النقيض تماماً. أما المقولة الأولى فهي لنيل آرمسترونق، أول من مشى على سطح القمر، إذ قال وهو يخطو خطواته الأولى في اليوم السادس من جمادى الأولى عام 1389هـ، الموافق لليوم العشرين من شهر يوليو عام 1969م: (صحيح أنها خطوة صغيرة لشخص، غير أنها قفزة عملاقة للبشرية كلها).
أجل كانت تلك الخطوات التي مشاها مانع بن ربيعة المريدي الذي كان يسكن شرقي شبه الجزيرة العربية، تحديداً في موضع يعرف بـ(الدرعية) عام 850هـ/ 1447م، إلى ابن عمِّه ابن درع، صاحب حَجْر اليمامة والجزعة؛ فمنحه ابن عمِّه هذا قطعتي أرض في نواحي الدرعية على وادي حنيفة هما المليبيد وغصيبة، فعمَّر مانع المريدي وأبناؤه هاتين المنطقتين وما بقربهما وملكوا ما حولهما، واستقر بهم الحال، وما زالوا ينتشرون ويزدادون قوة في تلك النواحي، ويلتف الأهالي حولهم، حتى ظهر فيهم الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن، فوضع اللبنة الأولى في هذا الصرح الشَّامخ الباذخ بتأسيس الدولة السعودية الأولى في الثاني والعشرين من شهر فبراير عام 1727م الذي يوافق عام 1139هـ، وهو اليوم الذي يُعْرَف بـ (يوم التأسيس) متخذاً من الدرعية عاصمة لملكه. فوحَّد أطرافها وأرسى دعائم الأمن فيها والاستقرار، لتصبح أساساً متيناً وقاعدة راسخة ومبدأً ثابتاً لدولة سعودية قوية ذات رسالة سامية عظيمة، تقوم على مبادئ الشريعة الإسلامية ووحدة الصف لتحقيق معنى الخلافة في الأرض على أفضل ما ينبغي؛ إذ شهدت الدولة السعودية الأولى استقراراً لم تعرف له الدول المعاصرة مثيلاً، كما حقَّقت قفزة نوعية كبيرة في إقامة العدل، بسط الأمن والاستقرار، نشر التعليم، الاقتصاد والاهتمام بالتاريخ. إضافة إلى ما حقَّقته في عهد الإمام سعود الكبير من أكبر توسع تشهده في تاريخها، لتمتد من الخليج إلى البحر، ومن الفرات إلى أطراف عُمان واليمن، فأصبحت بهذا أكبر دولة في شبه الجزيرة العربية، بل أكبر دولة عربية منذ أفول نجم الدولة العباسية، واستمرت لأكثر من تسعة عقود.
أقول: كانت تلك الخطوات التي مشاها مانع المريدي من الدرعية في شرقي شبه الجزيرة العربية إلى ابن عمِّه ابن درع في حَجْر اليمامة والجزعة، ومن ثم استقراره وأسرته في المليبيد وغصيبة، أقول: صحيح كانت تلك خطوت محدودة لشخص، غير إنها كانت قفزة عملاقة حقَّاً لأُمَّة العرب وأُمَّة المسلمين، بل للعالم أجمع، شأنها شأن خطوات نيل آرمسترونغ. أما المقولة الثانية الشهيرة التي خلّدها التاريخ أيضاً وتبادرت إلى ذهني مع مقولة آرمسترونغ هذه، فسأوردها في خاتمة المقال، لأنها نقيض الأولى كما سترون لاحقاً.
الحقيقة أنا هنا لست بصدد سردٍ تاريخي لما عاشته هذه الدولة المباركة من أحداث في مختلف عهودها، وما تغلَّبت عليه من مصاعب، حتى أصبحت اليوم شامة بين الأمم، وقبلة في المنطقة تُشَدُّ إليها الرحال للحل والعقد، مثلما يولي المسلمون شطرها للصلاة كل يوم وليلة. ولأنها دولة صاحبة رسالة، وليست ساعية للحكم والتسلُّط على العباد كما أكد ذلك مؤسسها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، إذ يقول مقولته الشهيرة التي ما زال صداها يتردد في الأصقاع، ونراها كل يوم واقعاً ملموساً على الأرض: (إننا آل سعود، لسنا ملوكاً، لكننا أصحاب رسالة).
أقول لم أعمد في مقالي هذا لسرد تاريخ هذه الدولة القارة المباركة منذ بزوغ فجرها الأول على يد الإمام محمد بن سعود، ثم أفول نجمها ليبزغ فجرها من جديد في دورها الثاني عام 1240هـ/ 1824م، على يد الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، صاحب السيف الأجرب، سيف آل سعود، إذ يقول في قصيدته الشهيرة التي أرسلها إلى ابن عمِّه الأمير مشاري بن سعود عندما كان الأخير في مصر أسيراً لدى إبراهيم باشا:
إن سايلوا عني، فحالي تسرا
قبقب شراع العز، لو كنت داري
اليوم كلٍّ من عميله تبرا
وحطيت الأجرب لي مباري
رميت عني برقع الذل برا
ولا خير في من لا يدوس المحاري
ونزلتها غصبٍ بخير وشرا
وجمعت شملٍ بالقرايا وقاري
وحصّنت نجدٍ عقب ما هي تطَّرا
مصيونة عن حر لفح المذاري
أقول، أعاد الإمام تركي بن عبد الله تأسيس الدولة السعودية للمرة الثانية إثر سقوط الدرعية، متخذاً من الرياض عاصمة لملكه بدل الدرعية التي كانت عاصمة الدولة السعودية الأولى، بعد فترة قصيرة من أفول نجم الدولة السعودية الأولى، فكان أول قائد من آل سعود يتخذ الرياض عاصمة لملكه. فوحَّد معظم أجزاء نجد والإحساء، وطرد الغزاة معتمداً أسلوب حرب العصابات، وعزَّز الأمن والاستقرار في المنطقة، واستمرت دولته نحو سبعة عقود.
حتى إذا أفل نجم دولة الإمام تركي، جاء الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، ليستعيد مجد آبائه وأجداده في ملحمة الرياض الشهيرة التي خلَّدها التاريخ، فجر الخامس من شهر شوال عام 1319هـ، الموافق لليوم الخامس عشر من شهر يناير عام 1902م، لتستمر القافلة حتى اليوم في هذا العهد الزاهر الميمون، عهد خادم الحرمين الشريفين سيِّدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، يشد عضده ويؤازره أخي العزيز الغالي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، رئيس مجلس الوزراء، ولي العهد القوي بالله الأمين، لتظل قافلة رسالتنا السَّامية العظيمة القاصدة، تحمل الخير إلى العالم إلى الأبد إن شاء الله، بحكمة قيادتها الرشيدة، ووفاء شعبها المخلص، بعد توفيق الله سبحانه وتعالى.
ومثلما فعل الأولون من الآباء والأجداد، جمع المؤسس الملك عبد العزيز شتات شبه الجزيرة العربية، من إمارات متفرقة في دولة واحدة، مؤلفاً بين القلوب قبل توحيد الجغرافيا، فانتقل الحال من حروب وعداء وسفك دماء، إلى وحدة اندماجية لم يشهد التاريخ الحديث مثيلاً لها. شهدت السعودية في عهد المؤسس وأبنائه البررة عبر مختلف العهود، تنمية شاملة راقية متقدمة، شملت جميع مدنها ومحافظاتها ومراكزها وقراها ووصلت حتى هجرها، ولاسيَّما العاصمة الرياض، التي شهدت تنمية مدهشة فتحوَّلت من بلدة صغيرة محاطة بسور طين تُغْلَق بواباته كدروازة الثميري ودروازة دخنة وغيرهما بعد صلاة العشاء لتفتح بعد صلاة الفجر، لا تتجاوز مساحتها بضعة كيلومترات.. تحوَّلت إلى مدينة عامرة تضاهي كبريات المدن العالمية تاريخاً وحضارة وتنمية وازدهاراً ورُقِيَّاً؛ تمتد لأكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر مربع، مما جعلها إحدى أسرع مدن العالم توسعاً، يقطنها اليوم أكثر من سبعة ملايين نسمة، مقابل نحو عشرة آلاف نسمة فقط في السابق؛ كما تحوَّلت من أحياء محدودة كمعكال وصياح وجبرة والمصانع وغيرها، إلى أكثر من (170) حيَّاً، تخدمها (16) بلدية، بينها حي طريف التاريخي في الدرعية الذي وصل اليوم العالمية، فصار ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، إضافة إلى مواقع تراثية أخرى في مختلف المناطق. ومن حصون معتق والشموس والثرملية، إلى أبراج شاهقة تناطح عنان السماء، بينها أعلى برج في العالم. كما تحوَّلت الرياض إلى مركز مالي واقتصادي عالمي مفعم بالنشاط والحيوية. وهكذا تواصل العمل والجهد وشمَّر الجميع عن ساعد الجد، حتى غدت اليوم واحة خضراء وحديقة غنَّاء ذات مطلات مائية وحدائق عديدة متنوعة وممرات مشاة، بها مدن رياضية على مساحات واسعة، ومدن طبية بمواصفات عالمية، ومستشفيات كبرى بينها مستشفيات تخصصية، كما أصبحنا اليوم بدلاً من عين الهيت وعين الخضراء وغيرهما من عيون متواضعة كانت تمثل الموارد الأساسية للمياه، نمتلك بفضل الله وتوفيقه، ثم بإخلاص قيادتنا الرشيدة ووفاء شعبنا وصدقه، أكبر محطة لتحلية المياه في العالم، تنتج أكثر من عشرة ملايين لتر من المياه المحلاة يومياً، تمتد عبر شبكة أنابيب تحت الأرض يزيد طولها على مائة وثلاثين ألف كيلومتر لتروي جميع المدن والقرى والهجر.
وعلى كل حال، مهما نجحنا وتفوقنا وحقَّقنا من منجزات فريدة عظيمة، تظل جذوة طموحنا مشتعلة متطلعين دوماً إلى الأفضل، كما يؤكد قائد ركبنا اليوم خادم الحرمين الشريفين سيدي الوالد المكرم الملك سلمان وولي عهده القوي بالله الأمين، رئيس مجلس الوزراء، أخي العزيز الغالي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان.
والآن ها أنا ذا أوفي بالوعد لأختم بالمقولة الشهيرة التي هي نقيض مقولة آرمسترونق تماماً كما وعدتكم، ففي حين حملت مقولة آرمسترونغ خيراً عظيماً للبشرية، مثلما فعلت الدولة السعودية، إلا أن رديفتها المقولة الثانية خلَّدت معنى الغدر والخيانة في أكمل معانيه وأشملها، ممن كنَّا نظنه الصديق الصادق الوعد والعهد الصدوق.. تلكم هي مقولة يوليوس قيصر التي خلَّدها الشاعر المسرحي الإنجليزي الشهير وليام شكسبير في مسرحيته الشهيرة (يوليوس قيصر): (حتى أنت يا بروتوس؟!). فللأسف الشديد من كنَّا نظنه عنوان الصدق والوفاء، أو هكذا كان يحاول جاهداً أن يبدو لنا، اتضح أنه في الوضاعة والخساسة والنذالة تفوَّق حتى على بروتوس قيصر هذا؛ غير أن الخبر الجيد أننا لم نمكِّنه ولن نمكِّنه من تسديد طعنة خنجره المسموم إلى مقتل فينا أو في أي أحد من جيراننا، على العكس من يوليوس قيصر الذي أعلن استسلامه مُطلِقاً مقولته الشهيرة بعد أن تجرَّع علقم خيانة من كان يظنه أوفى من الوفاء: (فليمت قيصر إذن). فنحن نقول لبروتوس هذا الزمان: (خسئت وخاب سعيك، وليمت بروتوس إذن وليذهب إلى مزبلة التاريخ.. وليعش قيصر).
وعلى كل حال، نحن اليوم بحمد الله وتوفيقه، ثم بجهد قيادتنا الرشيدة وحكمتها والتفاف شعبها حولها، أصبحنا دولة كبيرة رائدة، لن تعيقها خيانة صديق ولا غدر مؤتمن ولا عواء مرتزقة مغرضين، تمارس دورها بكل كفاءة واقتدار، يعمل العالم كله ألف حساب لها، ويحترمها الكبير قبل الصغير، لأنها أداة إصلاح لا معول هدم، إذ قدَّمت لكثير من الدول في مختلف قارات العالم خلال نصف القرن الأخير فقط أكثر من (140) مليار دولار أمريكي (530) مليار ريال سعودي دعماً سخياً دونما تفرقة بسبب عقيدة أو لون أو جنس؛ فهي اليوم واحدة من أكبر الدول المانحة في العالم، بل أكبر جهة مانحة للأشقاء الفلسطينيين بعد الأونروا، وأكبر دولة عربية داعمة لهم. ليس هذا فحسب، بل أكبر داعم سياسي، إذ حملت أكثر من (140) دولة في العالم للاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس، بما فيها دولة بلفور نفسه صاحب الوعد المشؤوم، فكان جهدها هذا بمثابة ترياق لوعد بلفور، كما عبَّر عنه أخي العزيز الغالي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان صراحة على الملأ: (لا سلام ولا كلام مع إسرائيل، إلا بعد قيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس).
ومثلما تعمل السعودية جاهدة لدعم الأمن والاستقرار في العالم وتحقيق السلام، تعمل في الوقت نفسه لبلوغ أهداف الرؤية منتهاها في تحولنا إلى مجتمع حيوي، يستمتع بالحياة في وطن طموح، محقِّقاً اقتصاداً مزدهراً، باذلة أقصى جهد في الاهتمام بالحرمين الشريفين ورعاية ضيوف الرحمن.. ذلك هو بإيجاز شديد مفهوم رسالتنا السَّامية العظيمة؛ ولهذا السبب الجوهري، كانت الدولة السعودية في كل مرة تتعثر، تعود أكثر قوة ومنعة وعزماً وإصراراً على استمرار قافلة خيرها القاصدة إلى الأبد إن شاء الله، كما أكد قائد ركبنا اليوم، خادم الحرمين الشريفين، سيِّدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود: (سنسعى لحاضرنا ومستقبلنا مستلهمين تضحيات الآباء والأجداد من أجل رفعة الوطن وشعبه... فهدفي الأول أن تكون بلادنا أنموذجاً رائداً في العالم على كافة الأصعدة، وسأعمل معكم على تحقيق ذلك).
فاللهم احفظ قادتنا ووفقهم، ومتِّعهم بالصحة والعافية، وبارك لنا في عمرهم وذريتهم وجهدهم من أجلنا، وأدم علينا نعمك، وأعنا على شكرها آناء الليل وأطراف النهار، وبارك لنا في وحدتنا وتآلفنا وتآزرنا والتفافنا حول قيادتنا الرشيدة.. وكل عام الجميع بخير وأمن وسلام، وبلادنا من حسن إلى أحسن.