د. هدى منصور
تمثل الإقامة المميزة في المملكة العربية السعودية أداة سياسة اقتصادية ذات طبيعة مركبة، تتجاوز كونها إطارًا تنظيميًا للإقامة والعمل، لتصبح جزءًا من حزمة السياسات التحفيزية التي تستهدف تحقيق مكاسب سريعة وقابلة للقياس على المدى القصير، وفي الوقت ذاته بناء أثر هيكلي مستدام على المدى المتوسط والطويل، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. فجوهر البرنامج لا يقتصر على تحصيل الرسوم أو تسهيل الإجراءات، بل يقوم على إعادة توجيه سلوك المقيم نحو الاستقرار طويل الأجل، والاستثمار، والمساهمة الإنتاجية داخل الاقتصاد الوطني.
من منظور صانع القرار الاقتصادي، يمكن النظر إلى الإقامة المميزة بوصفها سياسة ذات أثر مالي مباشر على المالية العامة يتمثل في الإيرادات الناتجة عن الرسوم، يقابله أثر اقتصادي غير مباشر واسع النطاق يتمثل في رفع جودة الطلب المحلي، وتعزيز الإنفاق طويل الأجل، وتحفيز الاستثمار الخاص، لا سيما في القطاعات الخدمية والمعرفية.
فالمقيم الذي ينتقل من وضع «الوجود المؤقت» إلى وضع «الاستقرار القانوني» يعيد هيكلة قراراته الاقتصادية بالكامل؛ فيستثمر في السكن، ويخطط لتعليم أبنائه داخل المملكة، ويؤسس أعمالًا أو شراكات مهنية، ويصبح جزءًا من دورة اقتصادية أعمق وأكثر استدامة.
ويُعد هذا التحول السلوكي أحد أهم مؤشرات الأداء غير المباشرة لنجاح البرنامج، حتى وإن لم يُقاس بشكل محاسبي تقليدي.
وتتضاعف أهمية هذه السياسة عندما يتم توجيهها نحو استقطاب الكفاءات في التخصصات النادرة، حيث لا تكمن الميزة التنافسية في الكم، بل في النوعية. فالاقتصادات الحديثة لم تعد تتنافس فقط على رأس المال المالي، بل على رأس المال البشري عالي القيمة، القادر على رفع الإنتاجية الكلية، وتحسين كفاءة المؤسسات، ونقل المعرفة المتراكمة وغير المكتوبة. ومن هذا المنطلق، تشكل الإقامة المميزة أداة فعّالة لتقليل مخاطر استقطاب الكفاءات، عبر توفير استقرار قانوني ومهني يعزز جاذبية المملكة مقارنة بالأسواق الإقليمية والدولية المنافسة.
ويبرز قطاع التعليم العالي بوصفه أحد أكثر القطاعات قدرة على تحقيق أثر مضاعف مرتفع عند ربطه بسياسة الإقامة المميزة. فالجامعات السعودية تواجه اليوم معادلة دقيقة تتمثل في رفع الجودة الأكاديمية والبحثية، وتحسين موقعها التنافسي، وتحقيق الاستدامة المالية، في ظل التحولات المتسارعة في نماذج تمويل التعليم. ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف دون استقطاب كفاءات أكاديمية وبحثية متميزة، قادرة على إحداث نقلة نوعية في الأداء المؤسسي، وليس مجرد تحسينات تدريجية محدودة.
إن وجود حملة الإقامة المميزة داخل منظومة التعليم العالي يحقق مكسبًا معرفيًا سريعًا يتمثل في سد فجوات التخصصات النادرة، وفي الوقت ذاته يؤسس لأثر تراكمي طويل الأجل عبر توطين المعرفة وبناء القدرات الوطنية.
فالأكاديمي أو الباحث الذي يتمتع باستقرار الإقامة لا يعمل بمنطق العقد قصير الأجل، بل بمنطق بناء مدرسة علمية، وتطوير برامج أكاديمية مستدامة، والإشراف على طلاب الدراسات العليا، واستقطاب منح بحثية وشراكات دولية. وتمثل هذه المخرجات عناصر قابلة للقياس ضمن مؤشرات أداء استراتيجية، تشمل جودة النشر العلمي، وعدد المشاريع البحثية التطبيقية، وحجم التمويل البحثي الخارجي، ونسب توظيف الخريجين في القطاعات ذات الأولوية الوطنية.
ويُضاف إلى ذلك أن مرونة تنقل هذه الكفاءات بين الجامعات داخل المدينة الواحدة تتيح نموذجًا أكثر كفاءة لتقاسم الموارد البشرية عالية التخصص، بما يخفض التكلفة الإجمالية على كل جامعة على حدة، ويُحسن جودة المخرجات الأكاديمية والبحثية في آن واحد، ويعزز كفاءة الإنفاق دون المساس بمعايير التميز.
ومن زاوية الاستدامة المالية، تتيح الإقامة المميزة للجامعات فرصة إعادة هيكلة نموذجها الاقتصادي بعيدًا عن الاعتماد الأحادي على الرسوم التقليدية أو الدعم الحكومي. إذ يمكن للجامعات توسيع قاعدة إيراداتها عبر برامج تعليمية نوعية موجهة لشريحة ذات قدرة إنفاقية مرتفعة، مثل البرامج الدولية، والتعليم التنفيذي، والدبلومات الاحترافية، وبرامج التدريب المهني المستمر. ويسهم وجود حملة الإقامة المميزة داخل المجتمع في تعزيز الطلب على هذه المنتجات التعليمية ذات القيمة المضافة العالية، بما يدعم الاستدامة المالية للمؤسسات التعليمية دون الإخلال برسالتها الأكاديمية أو جودة مخرجاتها.
كما تفتح هذه الشريحة المجال أمام تطوير شراكات ثلاثية بين القطاعين العام والخاص والجامعات، حيث تستطيع الجامعات، من خلال الكفاءات المستقرة، تقديم خدمات استشارية وبحثية متقدمة، وتأسيس مراكز تميز وكراسي بحثية ممولة، وتحويل المعرفة إلى أصل اقتصادي منتج.
وفي هذا الإطار، تتحول الجامعة من مؤسسة مستهلكة للموارد إلى فاعل اقتصادي يساهم في خلق القيمة، وهو تحول يتماشى مع التوجهات الوطنية لتعظيم الأثر التنموي للمؤسسات التعليمية.
وعلى المستوى الاجتماعي، تسهم الإقامة المميزة المرتبطة بقطاع التعليم في تحقيق أثر اجتماعي ملموس وقابل للقياس، يتمثل في تحسين جودة التعليم، ورفع كفاءة الخدمات الصحية والتقنية المرتبطة بالجامعات، وتعزيز نقل المعرفة إلى الكوادر الوطنية. ويُعد هذا الأثر الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من معادلة الاستدامة الشاملة، حيث يشكل الاستثمار في الإنسان والتعليم ركيزة أساسية للنمو طويل الأجل.
ولتعظيم العائد من هذه السياسة، تبرز أهمية مواءمة السياسات العامة بين برنامج الإقامة المميزة واحتياجات القطاعات ذات الأولوية، وعلى رأسها التعليم العالي. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة أعداد المستفيدين، بل في توجيه البرنامج بما يخدم أهداف الإنتاجية، وتوطين المعرفة، وتعزيز الاستدامة المالية للمؤسسات. وعندما تُمنح الجامعات دورًا مؤسسيًا في تحديد التخصصات النادرة، وترشيح الكفاءات، وربط الاستقطاب بمخرجات واضحة وقابلة للقياس، تتحول الإقامة المميزة من أداة جذب عامة إلى أداة استراتيجية عالية الكفاءة في إدارة رأس المال البشري.
في المحصلة، تمثل الإقامة المميزة فرصة سياسة عامة ذات عائد مرتفع على الاستثمار إذا ما أُحسن ربطها بقطاع التعليم العالي. فهي تحقق مكاسب مالية واقتصادية سريعة، وتولد أثرًا اجتماعيًا واضحًا، وتدعم مؤشرات أداء استراتيجية تتعلق بالإنتاجية والابتكار والاستدامة المالية.
والأهم أنها تعزز قدرة الجامعات السعودية على التحول إلى منصات فاعلة لتوطين المعرفة وبناء اقتصاد تنافسي مستدام، بما يعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي للمعرفة ورأس المال البشري النوعي.