سعود عبدالعزيز الجنيدل
لم يكن الألم شديدًا بقدر ما كان مفاجئًا. كسرٌ صغير في الإبهام.. قطعة عظم لا تكاد تُرى، لكنها حين تتأذّى، يتبدّل ميزان اليوم كله.
اكتشفت أن الإبهام ليس إصبعًا عابرًا في الجسد، بل شريكًا صامتًا في تفاصيل الحياة.
به نُمسك القلم، ونضغط الأزرار، ونصافح الأحبة، ونربّت على أكتاف الصغار.
به نُحكم قبضة العمل، ونثبت على المقود، ونغلق كتابًا بعد قراءة. وحين يغيب دوره.. ولو مؤقتًا، نشعر بشيء من العجز لا نعتاده.
العجز ليس دائمًا سقوطًا كبيرًا،
أحيانًا هو ارتباكٌ في أبسط حركة.
أن تحاول فتح بابٍ فتتردّد،
أو تكتب رسالة فتبطئ،
أو تحمل فنجان قهوتك بحذرٍ مضاعف.
أن تطلب مساعدة في أمرٍ كنت تؤديه بعفوية الأمس.
في تلك اللحظات، يتسلّل إلى النفس شعور خافت:
كم كنّا نظنّ الأمور سهلة.. لأنها كانت سليمة.
وكم اعتدنا النعمة حتى صارت غير مرئية.
كسرٌ صغير ذكّرني بحقيقة كبيرة:
أن النعم لا تُقاس بحجمها، بل بأثرها.
وأن ما نعدّه عاديًا.. هو في حقيقته استثناءٌ جميل يتكرر كل يوم.
نعم الله حولنا كثيرة،
في عظمٍ سليم،
وفي مفصلٍ يعمل دون شكوى،
وفي يدٍ تتحرّك كما نشاء.
وفي عينٍ تُبصر،
وفي قلبٍ ينبض في صمتٍ منتظم،
وفي نفسٍ يدخل ويخرج دون أن نستأذن الحياة.
وفي قدرةٍ على الانحناء ثم الاعتدال دون ألم.
بل حتى في الألم نفسه نعمة خفيّة؛
فهو يُبطئ خطانا، ويُعيد ترتيب وعينا، ويعلّمنا الامتنان.
يجعلنا ننتبه لما كنّا نمرّ عليه مرور العابرين،
ويوقظ فينا شكرًا كان مؤجلًا،
ويعيد تعريف البساطة على أنها ثروة.
تعلمت من هذا الكسر الصغير أن الجسد أمانة،
وأن القوة ليست في أن نعمل بلا توقف،
بل في أن نشكر حين نُعافى، ونصبر حين نُبتلى،
ونرى في كل عثرة درسًا، وفي كل ألمٍ تذكيرًا.
تعلّمت أن الاستقلال الذي نتباهى به هشٌّ أحيانًا،
وأننا -مهما بلغنا من قدرة- نظل محتاجين إلى عون الله أولًا،
ثم إلى عطف من حولنا، وكلمة طيبة، ويدٍ تُساند.
وأن في سؤال: «هل تحتاج مساعدة؟» رحمةً لا تُقدّر بثمن.
قد يبدو الإبهام إصبعًا صغيرًا،
لكن غيابه المؤقت كشف لي اتساع فضل الله،
وأن العافية تاجٌ على رؤوس الأصحاء.. لا يراه إلا من افتقده لحظة.
وأن الشكر ليس كلمة تُقال، بل وعيٌ يتجدّد كل صباح.
الحمد لله في الوجع قبل الشفاء،
وفي الكسر قبل الجبر،
وفي البطء بعد العجلة،
وفي كل حال