إيمان حمود الشمري
لم يكن يعرف الفلاحون الصينيون موعد الزرع والحصاد، وكان يشق عليهم تحديد مواقيت الزراعة بدقة، لذا اعتمدوا على حركة الشمس والقمر لتحديد المواقيت، ومن هنا نشأت فكرة السنة الصينية التي هي بالأساس عبارة عن تقويم زراعي لازال حتى الآن يستخدم في الأرياف الصينية، ذلك التقويم الذي تم تقسيمة لـ24 مرحلة موسمية، كدليل زراعي شامل، لتصبح السنة الصينية بعد ذلك من مجرد مواقيت زراعية وُضعت للحاجة، إلى مهرجان سنوي غارق باللون الأحمر يُدعى: «عيد الربيع».
يحتفل الصينيون مرتين بالسنة الجديدة، إحداهما الاحتفال المتعارف عليه مع دول العالم، والثاني بعام السنة الصينية الخاص بهم، الذي يقع بالعادة بين 21 يناير و20 فبراير، ومن الطريف أن يتزامن هذا العام من بداية السنة الصينية القمرية «عيد الربيع» مع دخول شهر رمضان الكريم. وسمي بعيد الربيع لأنه إعلان لنهاية الشتاء ودخول فصل الربيع.
ينفض الصينيون بيوتهم قبل حلول العيد بالتنظيف لطرد الحظ السيء والاستعداد لجلب الحظ الجيد بالسنة الجديدة.
فعيد الربيع الحدث الثقافي الأبرز في الصين، هو ليس مجرد مناسبة احتفالية، وإنما أيضاَ مناسبة ثقافية وعائلية من الطراز الأول، نابعة من قناعات الصينيين بأنه بداية دورة جديدة من الحياة والخصوبة، وتعتبر ليلة رأس السنة أهم لحظة لأنها ليلة لم الشمل، الليلة التي تهدأ فيها الحياة، ويعود فيها الناس من جفوة حياتهم العملية إلى أحضان الأسرة الدافئة ولقاء أحبتهم، ليجتمعوا من جديد على سفرة واحدة، يتناولون فيها أطباقاً معينة لها رموز ودلالات، فالسمك يعني الوفرة، وفطائر السبائك الذهبية أو «الزلابية» ترمز إلى الثروة، ويسهرون معاً من أجل الترحيب بالعام الجديد، واستقبال فألهم وحظهم فيه.
وارتبطت السنة الصينية بـ12 برجاً مأخوذاً بالأساس من البيئة الزراعية لكل سنة برج، ولكل برج دلالات معينة، حيث تشير السنة الصينية الجديدة لهذا العام بعام «الحصان»، والذي يرمز إلى الحرية والاستقلال والنشاط والنجاح والتقدم، مما يعني أن عام الحصان 2026 لو انتهى سيعود ولكن بعد 12 سنة!
وتستمر الاحتفالات الرسمية بعيد الربيع مدة 15 يوماً، حيث تزين أبواب ونوافذ المنازل بالزينة الحمراء، وتقام عروض التنين والأسد الراقصة في الشوارع على وقع الموسيقى وبمصاحبة الألعاب النارية ، كما يتم تبادل الكروت الحمراء كتقليد يرمز لجلب الحظ والبركة، وقد يحتوي بعضها على أموالاً تقدم للصغار وهو ما يعرف لدينا ب «العيدية»... ومن الطريف أن بعض التقاليد تكيفت مع البيئة المعاصرة، حيث تحول تبادل التهاني والمغلفات الحمراء ليصبح رقمياً، ولكن مع الاحتفاظ بالهوية الثقافية.
يختتم عيد الربيع احتفالاته بمهرجان «الفانوس»، إذ تكتسي الشوارع بالزينة والأضواء، في مشهدٍ يخطف الأنفاس، حين تتلألأ آلاف الفوانيس الملوّنة والمنقوشة، المعلّقةً في الشوارع، وبعضها موزّعةً بين الحدائق، ومتراصّةً عند أبواب المعابد، كأنها نجومٌ هبطت لتُعانق الأرض، حيث يمتزج وهج الفوانيس بضحكات المارّة وأصوات الموسيقى والاحتفالات، وكأنما مهرجان الفانوس هو مسك الختام الذي يعتبر تتويجاً لكل الأيام الجميلة التي جمعت الأسر الصينية ليصنعوا ذكرياتهم، وليأكدوا على أن الحياة مهما أشغلتهم فهم يعتبرون شعب يحب الترابط الأسري والانتماء الاجتماعي، وهذا ما لفت نظري أنا شخصياً عندما زرتهم وعرفتهم عن قرب، فكل عام وهذا البلد العظيم وهذا الشعب الجميل بكل خير.