د. سطام بن عبدالله آل سعد
في التاريخ لحظاتٌ تمرّ كالسحاب، ولحظاتٌ ترسخ في الذاكرة رسوخ الجبالِ الرواسي، وعام 1727م من تلك اللحظات التي لم تكتفِ بأن تكون تاريخًا، بل قررت أن تكون قدرًا حين وقفت الدرعية على ضفاف وادي حنيفة شاهدةً على ميلاد فكرةٍ تتجاوز حدودها، هناك حيث وقف الإمام محمد بن سعود أمام واقعٍ تتنازعه القبائل وتتشظاه المصالح فاختار أن يصنع دولة، فبدأ بما يبدأ به العقلاء؛ أمنٌ في الداخل وعدلٌ في الحكم وحمايةٌ للطرق ورعايةٌ للتجارة.
وهكذا تُولد الدول هادئةً في بدايتها عميقةً في أثرها، وكان لذلك القرار أن يغيّر مسار أرضٍ بأكملها حين تحولت الإرادة المتصلة بالإيمان إلى مشروع ممتد عبر القرون، فالدرعية آنذاك كانت فكرة، والفكرة حين تجد قائدًا يصدقها تتحول إلى كيان، ومن تلك اللحظة بدأ خيط السيادة يسكن روح المكان، خيطٌ من الشعور بأن لهذه الأرض أهلًا يحمونها ويصونون قرارها ويمنحونها معنى الاستقرار.
والسيادة في 1727م كانت تنظيمَ الإدارة بما يثبت الاستقرار عبر بناء مجتمعٍ صالحٍ للحياة، ورسالةً تقول إن الفوضى قدرُ من ضاق أفقه عن الحلم، وإن الدولة حلمُ من امتلك شجاعة النظام، ثم تعاقبت الأعوام وتوالت الأحداث حتى جاء الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - عام 1902م فاستعاد الرياض وبدأ مسار التوحيد، وباكتمال ذلك صدر الأمر الملكي عام 1932م من مكة المكرمة بتوحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية امتدادًا لذلك القرار الأول في الدرعية لتتصل البدايات الصادقة بثمارها الراسخة.
إنّ يوم التأسيس وقفةٌ أمام مرآة التاريخ نرى فيها أنفسنا كما أرادها الأجداد؛ نسأل ماذا فعلوا حين واجهوا الاضطراب فكان جوابهم الدولة، وماذا فعلوا حين تصارعت القوى وتباينت المصالح فكان خيارهم السيادة، وماذا نفعل اليوم؟ نحمل الأمانة ذاتها ونمضي بثقة.
وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، تمضي المملكة بثقةٍ أكبر نحو وطنٍ يزداد رسوخًا في هويته، واتساعًا في طموحه، واقترابًا من مستقبله.
1727م ليس عامًا في كتاب التاريخ، هو جملةٌ كاملةٌ في ضمير الوطن تبدأ بالفعل تأسَّس وتنتهي بالمعنى سيادة.