د. طلال الحربي
في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في فلسفة التعليم في المملكة، لم تكن مشاركة وزارة التعليم في معرض الدفاع العالمي 2026 مجرد حضور في منصة عابرة، بل إعلان واضح عن دخول المنظومة التعليمية بثقلها في قلب إستراتيجيات التوطين والتصنيع العسكري، عبر بوابة الابتكار الطلابي.
لطالما كان السؤال المُلح: كيف يمكن تحويل مخرجات التعليم من أطر نظرية إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية وأمنية؟ الإجابة بدأت تتشكل في جناح وزارة التعليم بالمعرض، حيث لم يعد الطالب مجرد متلقٍ للمعرفة، بل شريكاً في إنتاجها، بل وصانعاً لحلول تقنية قابلة للتطبيق في أحد أكثر القطاعات تعقيداً: قطاع الدفاع.
ما شهده الزائر لجناح الوزارة لم يكن معرضاً علمياً تقليدياً، بل ورشة وطنية مفتوحة، توزع فيها 50 طالباً وطالبة على 10 منصات، يعرضون اختراعاتهم ومشاريعهم الابتكارية في مجالات الروبوتات، والطيران، والمركبات غير المأهولة، والتصنيع الرقمي.
مشاهد لم تكن مألوفة قبل سنوات، حين كان الفصل شبه كامل بين مقاعد الدراسة ومنصات الصناعة.
في سياق هذه المشاركة، جاء إطلاق تحدي «ديفنسثون» ليعكس تحولاً استراتيجياً في آليات اكتشاف المواهب. فالانتقال من مجرد تدريس الطلبة إلى تنظيم مسار تنافسي متكامل، يبدأ بالتعلم عبر منصة «سطر»، ويمر بمعسكر تدريبي مكثف في أكاديمية طويق، وينتهي بتحدٍ نهائي في معرض التعليم الدولي، يؤسس لنموذج جديد من التعليم القائم على المشاريع والتحديات الحقيقية.
هذا النموذج يضع الطالب أمام مسؤولية وطنية مبكرة، ويحوله من باحث عن وظيفة إلى مقدم حلول، ومن مستهلك للتقنية إلى مطور لها. وهي نقلة نوعية تستحق الإشادة، خصوصاً أنها تأتي بتعاون غير مسبوق بين وزارة التعليم والهيئة العامة للتطوير الدفاعي وشركات وطنية رائدة، في تكامل مؤسسي يعد نموذجاً يُحتذى.
و غير خافٍ ما أحدثته زيارة آلاف الطلبة من مدارس وجامعات ومعاهد للمعرض من أثر في صقل وعيهم المستقبلي.
فالمعرفة اليوم لم تعد محصورة بين جدران الفصول، بل باتت في ميادين الإنتاج والمعارض العالمية، وهذه الزيارات المنظمة لم تكن ترفيهية، بل تأتي ضمن استراتيجية واعية لتعزيز ثقافة الابتكار الدفاعي والأمني لدى الأجيال الناشئة، ليدرك الطالب السعودي أن وطنه لم يعد مستورداً للتقنية بل منتجاً ومطوراً لها.
الجهود التي قادها معالي وزير التعليم وفريق العمل في الوزارة والجهات المشاركة، من جامعات وأكاديميات ومعاهد، تعكس إيماناً راسخاً بأن التعليم هو الركيزة الأولى للأمن الوطني الشامل. فالتواجد المؤسسي في منصة دولية كبرى، وتخصيص جناح متكامل يعرض ابتكارات الطلبة، والبحث الجاد عن جهات ومستثمرين يتبنون تنفيذ هذه الاختراعات، كلها مؤشرات على أن وزارة التعليم لم تعد تكتفي بدور الناقل، بل أصبحت شريكاً في البناء والتمكين.
يبقى السؤال الجوهري: كيف نضمن ألا تبقى هذه الابتكارات حبيسة أجنحة المعارض؟ الإجابة تكمن في ما أعلنته الوزارة بوضوح من سعي لإيجاد جهات راعية ومُحتضنة لهذه المشاريع. وهنا يبرز دور القطاع الخاص وصناديق الاستثمار الجريء ومراكز البحث والتطوير في تبني هذه الأفكار وتحويلها إلى منتجات تجارية وصناعية.
إن الاستثمار في عقول الطلبة اليوم هو الأكثر ضماناً وعائداً، وأي ريال يُنفق على تطوير اختراع طلابي اليوم، سيعود بعشرات الأضعاف غداً في شكل منتج وطني، ووظيفة لسعودي، وقيمة مضافة للاقتصاد.
ما شهدناه في معرض الدفاع العالمي لم يكن مجرد مشاركة عابرة، بل إعلان ميلاد مرحلة جديدة يتقاطع فيها التعليم مع الدفاع، ويصبح الطالب فيها شريكاً في حماية الوطن وتنميته. وزارة التعليم، بقيادتها ومنسوبيها وطلبتها، أثبتت أنها قادرة على قراءة المستقبل، وصناعته بأيد وطنية شابة، تؤمن بأن الابتكار لا يعرف عمراً صغيراً، وأن فكرة اليوم قد تكون سلاح الغد، ودرع الوطن.