د.فيصل خلف
دائمًا ما تحظى كلمات معالي وزير الصحة فهد بن عبد الرحمن الجلاجل في المحافل الرسمية بآذانٍ صاغية، لا لأهميتها فحسب، بل لكونها تُقدَّم بلغة الأرقام، تلك اللغة التي تختصر الكثير من المفردات التي قد تكون مبتذلة، وتمنح المتلقي صورة واضحة قابلة للقياس والتحليل.
هكذا اعتاد معاليه أن يتحدث بلغة الأرقام، وهي اللغة التي تُعتمد في الدراسات وصناعة القرار وتقييم الأثر.
في كلمته خلال ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي، استعرض معاليه مجموعة من المؤشرات اللافتة، من أبرزها:
- انخفاض وفيات حوادث الطرق بنسبة 60 %.
هذا الرقم مبشّر بالخير، ويعكس ابتعاد المملكة عن دائرة الدول ذات المعدلات المرتفعة في وفيات حوادث الطرق. ومن المهم التذكير بأن المملكة كانت قبل عام 2016، تُسجّل نسبًا مرتفعة نسبيًا في هذا المؤشر، قبل أن تبدأ حزمة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية والتوعوية، التي غيّرت المشهد المروري والصحي بشكل جذري.
- انخفاض وفيات الأمراض المعدية بنسبة 50 %.
هذا المؤشر لا يعني بالضرورة أن الوضع السابق كان سيئًا، بل يدل على تحسّن كبير في منظومة الوقاية والاستجابة الصحية. ويكتسب هذا الرقم أهمية إضافية إذا ما وُضع في سياقه العالمي، حيث شهدت الأمراض المعدية ارتفاعًا ملحوظًا في معدلاتها بعد جائحة كوفيد، ما يجعل هذا الانخفاض دلالة على كفاءة التدخلات الصحية السعودية.
- انخفاض وفيات الأمراض المزمنة بنسبة 40 %.
يعكس هذا الانخفاض تطورًا ملموسًا في جودة الرعاية المستمرة والكشف المبكر والمتابعة الطبية طويلة الأمد، مع العلم بأن الأمراض المزمنة بطبيعتها لا يُتوقع الشفاء التام منها في كثير من الحالات، لكن النجاح الحقيقي يكمن في تقليل مضاعفاتها وإطالة عمر المصابين بها، وهو ما تشير إليه هذه النسبة بوضوح.
- انخفاض الوفيات الناتجة عن الإصابات بنسبة 30 %.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الوفيات الناتجة عن الإصابات تتأثر بعدة عوامل، من أبرزها سرعة الاستجابة وجودة الخدمات الإسعافية وجاهزية المستشفيات والمراكز الصحية، وعليه فإن هذا الانخفاض يعكس تطورًا لافتًا في منظومة الطوارئ وسلسلة إنقاذ الأرواح خلال ما يسمى «الساعة الذهبية».
لعل من أكثر اللحظات دلالة في الملتقى، ما استوقف فيه معالي وزير الصحة أحد الممارسين الصحيين، وهو الدكتور سعود الشهري، حين أكد معاليه أن نموذج الرعاية الصحية جاء في الأساس لخدمة الممارس الصحي، وإزالة المعوقات التي تقف أمامه، في رأيي بأن هذا حديث موجز لكنه يحمل معنى عميقًا لكل من يعمل في الميدان الصحي؛ فتمكين الممارس هو المدخل الحقيقي لتحسين جودة الرعاية، ومن هنا تتجسد فكرة صناعة الأثر، ليس فقط في الحاضر، بل في مستقبل الصحة وجودة الحياة.