مبارك بن عوض الدوسري
في وادي الدواسر، لم يكن رمضان موعداً في التقويم بقدر ما كان شعوراً يسبق الهلال؛ كانت العيون تتجه إلى الأفق قبل الغروب، تترقب خيطاً فضياً يعلن بداية شهر لا يشبه سواه؛ لحظة صامتة، تختلط فيها رهبة الانتظار بطمأنينة اليقين، ثم يجيء الخبر بسيطاً وواضحاً، ينتقل من مجلس إلى مجلس، ومن قلب إلى قلب، فيعمّ الفرح دون ضجيج.
كان الشهر يدخل بهدوء يشبه صفاء السماء؛ لا زخرفة في الإعلان، ولا بهرجة في الاستعداد، فقط يقين جماعي بأن أياماً مختلفة قد أقبلت؛ ومع أول مساء رمضاني، تبدأ تفاصيل الحياة في التشكل على إيقاع آخر.
بعد صلاة العصر، تستيقظ المجالس؛ نارٌ توقد بحطبٍ يعرفه الوادي جيداً، ورائحة قهوة تُصنع على مهل؛ تُحمس، وتُدق، وتُطبخ كما لو أن الطقوس عبادة أخرى؛ تمتد الأحاديث خفيفة، وتغدو اللحظات أقرب إلى التأمل منها إلى الانتظار؛ وحين يرتفع الأذان، يفطر الصائمون على ما توفر ببساطة لا تُفسدها الكثرة: تمرٌ وماء، وربما لبنٌ إن حضر؛ لقيمات قليلة، لكنها ممتلئة بالرضا.
ثم تمضي الخطى إلى الصلاة. مساجد متواضعة، لكنها عامرة بالخشوع؛ أرضٌ مفروشة بما تيسر، وقلوبٌ مفروشة بالسكينة؛ لا شيء يلفت النظر سوى الطمأنينة التي تسكن الوجوه، وكأن المكان، رغم بساطته، أوسع من كل وصف.
بعد الصلاة، يعود الليل ليحمل دفئه الخاص؛ سمرٌ بلا تكلّف، أحاديث عن فضل الشهر، وقصائد حكمة، وألغاز بريئة، وقصص تتناقلها الذاكرة جيلاً بعد جيل؛ لم يكن الوقت يُقتل، بل يُعاش؛ ولم تكن الجلسات للامتلاء، بل للأُنس.
وحين يقترب السحور، تحضر الأطباق التي صنعتها الحاجة وباركتها العادة ؛ طعامٌ بسيط، لكنه صادق؛ مما تنتجه الأرض ويصنعه البيت؛ نكهات تحفظها الذاكرة أكثر مما تحفظها الوصفات؛ لم تكن المائدة مزدحمة، لكن البركة كانت تتسع للجميع.
وكان رمضان، قبل كل شيء، موسماً للتكافل؛ الغني يعرف طريق الفقير دون سؤال، والعطاء يجري بطبيعته، كما يجري الماء في مجراه؛ عفّةٌ تسكن النفوس، وكرامةٌ تحفظ الوجوه؛ لم تكن الحاجة تُعرض، ولا الكرم يُعلن، بل كان الخير يحدث بصمتٍ يليق به.
في تلك الأيام، لم يكن الشهر الكريم ساحةً للتنافس في كثرة الأطباق، بل مساحةً للاكتفاء؛ لم تكن البيوت تُرهقها المبالغة، ولا القلوب تُثقلها المقارنات؛ كان الطعام قليلاً، لكن الصحة وافرة؛ وكانت الحياة أبسط، لكن المعاني أعمق.
اليوم تغيّرت التفاصيل، وتسارعت الإيقاعات، وكثرت الخيارات؛ غير أن شيئاً من تلك الروح القديمة لا يزال يلوح في الذاكرة؛ روح شهرٍ كان يُستقبل بالشوق، ويُعاش بالرضا، ويُودَّع بالامتنان.
رمضان في وادي الدواسر لم يكن مجرد زمنٍ مضى، بل درسٌ باقٍ: إن قيمة الشهر لا تُقاس بما يُعدّ على الموائد، بل بما يُحفظ في القلوب؛ وأن البساطة، حين تمتزج بالإيمان، تصنع من الأيام العادية مواسم لا تُنسى.