د.زيد محمد الرماني
أسئلة شغلت بال المجتمع الرأسمالي منذ استقرت دعائمه في أوربا حيث موطنه الأساس على وجه التحقيق: ما طبيعة هذا النظام المعروف باسم الرأسمالية، القائمة على وجود سوق حرة ومنافسة حرة ومشروع حر؟ وهل من قوانين معينة يسير النظام وفقاً لها حتى يحقق الغايات التي يسعى إليها المجتمع؟ وإلى أين يتجه، أو ما مصيره بعبارة أخرى؟ ولا تزال هذه الأمثلة تردد اليوم، بل لعلها تزداد الحاحاً، بعد ضروب التحدي التي تعرض لها هذا النظام.
وراح فريق من الدارسين والباحثين من ذوى النظرات النفاذة الدقيقة يحاولون الإجابة على هذه الأسئلة، وتنوعت الإجابات، سواء في تفسير العالم الذي نعيش فيه أو في التنبؤ بالاتجاه الذي يسير فيه؛ فهو عالم بهيج عند آدم سميث، تلعب فيه المنافسة الحرة الدور الرئيس، وتؤدي فيه المصلحة الخاصة في الأجل الطويل إلى ما فيه مصلحة الجماعة؛ وهو عالم قادر بفعل هذه القوى والدوافع على تصحيح ما قد يبدو فيه من أخطاء بل ومظلم.
ولكن هذه الصورة اللامعة سرعان ما ألقى عليها مالتس وريكاردو ظلالا قائمة من التشاؤم، ولكنهما لم يدعوا إلى إلغاء النظام. هذه الدعوة بدرت عن فريق من الكتاب أخذوا يدعون إلى إقامة جنة على الأرض، وطلعوا بمشروعات لتعليم المجتمع، يسودها طابع الخيال لأنها لا تتفق مع طبائع الأشياء، ومن هنا دخلوا في كتاب الفكر الاقتصادي باسم الخياليين أو اليوتوبيين.
ثم جاء جون ستيوارت مل ليحدثنا أنه إذا كانت هناك عيوب في توزيع الثروة المنتجة فليست هناك قوانين ثابتة، لقد أعطي مل العالم أملا: ولكن هذا الأمل سارع إلى تحطيمه رجل تحالفت ظروف العصر الذي عاش فيه فأعلن أن الرأسمالية مآلها حتما إلى زوال، ذلك هو كارل ماركس الذي كان مؤلفه: رأس المال: أشبه بكتاب الفناء أو بحكم الإعدام على هذا النظام.
يقول روبرت هيلبرونر عن كتابه (قادة الفكر الاقتصادي ): هذا كتاب عن حفنة من الرجال لهم حق عجيب في الشهرة التي حظوا بها. ولو حكمنا عليهم وفقاً لجميع القواعد التي توردها كتب التاريخ التي يدرسها طلاب المدارس فقد كانوا شخصيات لا يعتد بها، فلم يقودوا الجيوش. أو يبعثوا بالناس ليلقوا حتفهم، أو يحكموا الامبراطوريات، ولم يكن لهم سوي دور بسيط في القرارات التي تصنع التاريخ. وذاع صيت قليل منهم، ولكن دون أن يكون أحد منهم بطلا قومياً.
من كان هؤلاء الرجال؟ إننا نعرفهم باسم الاقتصاديين العظام، ولكن الغريب هو قلة ما نعرفه عنهم. قد يتراءى للمرء أنه في عالم تمزقه المشكلات الاقتصادية ويشعر بالقلق على الدوام من ناحية الشئون الاقتصادية ويتحدث من المسائل الاقتصادية، يكون الاقتصاديون الكبار شخصيات مألوفة كما هو الشأن بالنسبة إلى الفلاسفة ورجال السياسة. ولكنهم بدلا من هذا ليسوا إلا شخصيات غامضة تنتمي إلى الماضي، كما ننظر إلى المسائل التي تجادلوا بصددها في حماس وشغف بنوع من الرعب الذي نستشعره إزاء الأشياء البعيدة عنا، يقال إنه لا سبيل إلى إنكار أهمية علم الاقتصاد ولكنه علم جاف وصعب ويحسن أن يترك لمن يألفون عوالم الفكر الغامضة.
ثم يؤكد هيلبرونر: وليس ثمة شيء أبعد من الحقيقة من هذا الظن؛ فالشخص الذي يظن أن الاقتصاد ليس إلا مسألة تخص الأساتذة ينسى أن هذا العلم هو الذي أحدث الاضطرابات والثورات، والشخص الذى راح يطالع كتاباً في الاقتصاد ثم استخلص أن هذا العلم يبعث على السأم هو أشبه برجل قرأ كتاباً من المبادئ الأولية في علم إيواء الجنود بالميدان، وإطعامهم ثم قرر أن دراسة فن الحرب لا بد وأن تكون مملة.
فالاقتصاديون العظام تابعوا بحثاً لا يقل إثارة - وخطراً ـ عن أي بحث عرفه العالم أبداً، فالأفكار التي طلعوا بها، على خلاف أفكار الفلاسفة الكبار، لم تؤثر إلا قليلا في حياتنا العملية اليومية، والتجارب التي حثوا على تطبيقها تخالف تجارب رجال العلم من حيث أنه لا يمكن إجراؤها في عزلة عن المعمل. إن الأفكار التي طلع بها كبار الاقتصاديين هزت دعائم العالم والأخطاء التي وقعوا فيها كانت قمينة أن تؤدي إلى النكبات.
لقد کتب اور كيز، وهو نفسه اقتصادي عظيم، يقول: إن أفكار الاقتصاديين والفلاسفة السياسيين، سواء كانت على صواب أو خطأ، أقوى مما درج الناس على فهمه عنها. والحق أن العالم لا تحكمه إلا قلة من أفكار أخرى، فالرجال العمليون الذين يعتقدون أنهم تحرروا من أية مؤثرات فكرية في العادة عبيد اقتصادي قد أصبح في ذمة التاريخ.