مشعل الحارثي
في صباح الخميس 24 شعبان 144هـ انضم الدكتور سعيد السريحي إلى اسطورة الرحيل الأبدي وملحمة الغياب الطويل، وشد الرحال إلى خير مآل بعد معاناة أليمة مع المرض، وبغيابه رحل عنا أشهر فرسان الثقافة السعودية في العصر الحديث، وطويت معه صفحة من الفكر والثقافة الرفيعة، والإبداع الرصين المجسد في أسمى معانيه وأشكاله.
رحل السريحي عنا وبقي النص يلون افكارنا ويدعونا من جديد إلى قراءته بعد أن ملأ حياتنا بالهديل الجميل وبلل زماننا بأجزل العبارات وأعمق البحث والدراسة، وفصاحة اللسان وطيب المقال في كل مجال، وأنعم على الكلمة واللغة بفيض من تفاني وإيثار، وطهر الحبر بماء الجبين، وأوقد شمعة تضيء للآخرين، ورحل عنا وهو كالنسر في الشموخ والجذر في الرسوخ متوجاً بالصفاء والنقاء، مشرقاً بالحلم الوضاء أمناً بلا أرزاء.
رحل السريحي عنا، وهو يحمل راية التنوير ولم يسع لتشييد بنيانه الإبداعي الخاص بقدر ما كان يسعى للمساهمة في صياغة صرح أدبي لوطن ناهض أصبح متكئاً لأجيال من المبدعين السعوديين، رحل سعيد السريحي عن دنيانا بعد أن كان أحد العناوين اللافتة في تحول المجتمع الثقافي وحساسية الحركة الإبداعية تجاه الأدب الحديث والمفاهيم الجديدة، وكم ندين له بجرأته العالية ونظرته الواثقة في معالجة الكثير من الأمور والقضايا المجتمعية والإنسانية، وما أخذه على عاتقه من كشف زيف الأقنعة ووجوه الظلام والتطرف، ونقاط الوصل ما بين الوعي واللاوعي.
الوقت يرحل والحياة قطار
يمضي كما شاءت له الاقدار
والكل فيه مسافر ومسير
من ذا الذي في الركب قد يختار
إنا ضيوف والحقيقة أنه
لابد يوماً ينتهي المشوار
لقد عرفنا الدكتور سعيد السريحي أديباً وناقداً وشاعراً وكاتباً وباحثاً وخطيباً محلقاً، وعرفناه في مهنة المتاعب (الصحافة) التي انهكت الكثيرين، وجارت على ابداعهم، كما اشتكى من ذلك كثير من روادنا الأوائل، فكسر هذا الخصام المحتدم واستفاد من هذه التجربة في دعم إبداعاته، وأمن بالعمل الصحفي وبمقولة الروائي الكولومبي (جبرائيل جارسيا مركيز) عندما قال: (الصحافة أجمل مهنة في العالم)، فكتب تحقيقاته ومقالاته الاجتماعية بانتظام من داخل عرينه في صحيفة عكاظ وبين رفاقه، وعلى أعقاب السجائر التي تزمجر بين شفتيه وغمامة الدخان الرمادي الذي يعبق حوله جاءت كتاباته في أبهى صورة متينة البناء، رشيقة العبارة ، سهلة ميسرة، تفيض بالمعنى وتزخر بالمغزى.
وكان السريحي في مشهدنا الثقافي القاً وقلقاً ووجداً ووجوداً في حومة الفكر، وتجاويف المعاني ومعادلة مترفة في صياغة جملة الكلام وكالجداول المترفة بالعذوبة وصفاء الروح والقريحة، وكان في الخضم زخم مجلي تكبر به المعادلات الصعبة.
رحل الدكتور سعيد السريحي بعد ان عاجله المرض وافترش سريره الأبيض ولم يخبرنا عن آخر صوت وآخر صورة تراءت إلى بصره وسمعه، ومضى وهو لم يستكمل بقية نصوصه التي بقيت مشرعة، وتركنا والأسئلة لازالت تفتح افاقا مديدة حتى آخر الأنفاس.
وبعد أن حل الغياب وأسدل الستار على فصول المراحل الهاربة من عمر سعيد السريحي، وبرز المشهد الحقيقي لنهاية الحياة، فإننا لن نبكيك يا سعيد وأنت تتوارى خلف قماشة النفوس المطمئنة، لأنك راحل الى العزلة الأجمل والوجود الأمثل، والفضاء الأرحب من فضاء دنيانا المحدود، وظلها المكدود بالشقاء والمتاعب والآلام، ولأنك ذهبت الى خالق الحياة ومبدع الكون، وواهب العطايا، ومانح المغفرة والرحمات..
رحمك الله يا أبا إقبال رحمة الأبرار وأسكنك فسيح الجنان، وأخلص العزاء والمواساة لأسرتك ومحبيك وعارفي قدرك الرفيع، و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.