عبدالمحسن بن علي المطلق
حُفظ في أدبيات العرب أن خير الكلام ما قلّ ودلّ، ولكن في ديننا الذي يعلو ولا يُعلى عليه علّمنا ما هو أولى عن (خير الكلام هو «كلام» الله، وأن خير الهدي هدي رسوله). صلى الله عليه وسلم، وفي نص -آخر- (خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد..) -رواه مسلم-، فبهذه الجملة يصدّر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام مما علمنا من خُطبه، فاشتقّ من هذا التقعيد أهل البلاغة والفصاحة وذوو النهى ما اتخذوا من جليل ذلك دليل سلك سبيلهم ليستمطروا عذب ما لديهم، ومن ثم يصبّوه في آذاننا كالعسل المصفّى، ومن بين أجلائهم ابن القيم رحمه الله فمن بديع موجزاته:
(لا يرتاب عاقل أن الحق مبناه على كتاب الله المقتفى، وسنة نبيّه المصطفى)، أجل بل دون ذلكما (خرط القتاد)، حيث نظم أبو طارق السلفي:
دين الرسول وشرعه.. أخباره
هو أجلّ علم يُقتني آثاره
من كان مُشتغلا بها وبنشرها
بين البريّه لا عفْت آثاره
فلا يسع من بالأخص أُعطِ زمام البيان إلا أن يُوقف اصداره عليهما، ثم لن نزعم له أنه يطلب على ذاك مزيداً، لإنه مدرك وبكل حواسه في غاية غايات ما يريده من الترقّي في درجات التعبير، أو تطيب مقال دونهما، لإنهما لا عنهما لموحّد لربه.. غنى.
ولإن المادة -هذه- بكتاب الله.. الذي لا يماري طويلب علم أنه ذروة سنام العلم الشرعي، بل هو علم وعبادة، وزكاة ورُحما بصاحبه في سلك طريقه الأسمى للتقوى..
فهاكم (مزيدا) بهذه المفارقة أنك كلما اقتربت منه بعدت عنك الهموم وانزاحت سحائب الغموم، ثم حسب من تدبر بالآيات صغرت بعينه الدنيا.
وكلما ازددت النهل من معينه أرواه من بركاته، مقابل ما يخفف على من تمسّك به جليل ما يجده، أو يحاذر.
فهاهي.. قد أزفت بشائر مقدم شهر الخير: رمضان، وتوشك تُظلَّنا أيامه الميامين، هذا -الشهر- الذي عنوانه الرئيس (شهر القرآن) حبل الله المتين الذي لا سواه يصلنا إليه، ثم يقودنا إلى مُنتهى الأمنيات حين يبلّغنا مرضاته، ومن ثم نيل شفاعة نبيّه عليه الصلاة.
فالقول عنه أنه (شهر القرآن)، لا يقف هذا.. تلاوة أو تدبرا هو المرام، لأن هذا مُحصّل طول العام.
لكن المقصد ترك ما سواه من الحديث، والفقه، أي قصر النهل عليه، لأنه زمن قصير، لما أخبرت بهذا آية {أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} رغم أنهن زهاء الثلاثين، فالعدد يقاس بمقدار الباقي المقدّر من الشهور.
وذلكم.. لإننا -وأنا أوّلكم- من هؤلاء الذين فهموا من تلك الجملة أن تلاوته تتأكد في شهر رمضان!، بل - بصراحة - ممن تُوهن حبال تواصله مع التلاوة في غير شهر الصيام!
وغنيّ عن القول .. أن ديننا قائم على التذكير، وحسب نبيّه - عليه الصلاة والسلام- من صفاته {إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ}، فهنا أُذكّر نفسي ومن يطلّع على هذه (النوتة) التي أُشفق أن تكون وآهنه، أن.. شهر رمضان هو (سيّد) الشهور، فقد كان صلى الله عليه وسلم يُبشّر أصحابه بقربه، كما في صدر قوله (جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، شهر تحُطّ فيه الخطايا، ويجاب فيه الدعاء، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرُم رحمة الله)، أجل، وأيُّ حرمان!، بل كم ترتعد فرائص العاقلة.. إن هي حتى في شهره -رمضان- هي باقية على ذات الوتيرة!، أما كفاها حديث.
(رغم أنف امرء أدرك رمضان ولم يغفر له)، وكأنه - الحديث- يقول: ماذا يريد أكثر؟، أن.. (عسى) هذا الشهر وهو يُخبر بذاك التقصير الفارط من أكثرنا/
فرصة نُعيد بها حسابنا لنرى.. وبالتالي نقع على مواطن ما يحتاج منّا جبراً، فنشدّ من حبال ذاك الوهن.. الذي يُمنى به من (وأخاف أن أقول جزاء وفاقا..) لمن أَشغل ذاته عنه، ولو في المطالب الأخرى من العلم الشرعي -مثلاً-، كذا صرح كبير فقهائنا ابن تيمية، رحمه الله، بل من قبله سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه.. حين (بكى) وهو يحضن القرآن.. مُردد (أشغلنا عنك الجهاد)، لِلهِ درك أبا سليمان، ماذا لنا أبقيت.. من عذر!، وقد اشغلنا عنه لا العلم الشرعي كما هو ابن تيميمة، بل دُنيا نحن نعلم ما كتب الله فيها أنه آيلٌ ماضٍ إلى زوال!، إذ من ساعة احتضار العبد.. إلا وجحظة عيناه في سراب ما كان يجري للحاق به، فلم يُفق إلا وقد قاربت المنايا تحطّ رحالها في ردائه!
وبمناسبة قول سيف الله المسلول، فهذا -أيضاً- ابن سعود رضي الله عنهما: «إذا أردتم العلم، فانثروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين»، وهذا التابعي (سفيان الثوري رحمه الله (ليتني كنت اقتصرت على القرآن)، وهو القائل (وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن)، وسفيان بن عيينة: «والله لا تبلغوا ذروة هذا الأمر حتى لا يكون شيء أحب إليكم من الله، فمن أحب القرآن، فقد أحب الله، افقهوا ما يقال لكم».
وسبحان الله، لكأن هذا الشهر يأتي كرامة للكسالى من أمثالي، كي يُعيدهم للحياة الحقّة، أي الحياة مع القرآن في انشراح يزيل كل الهموم، وتقيلع سحائب الغموم، وتدبّر آية: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}، وأي شيء تحتاج بعد ما يكون معك (نوراً) من منه سبحانه يُضيىء دربك الموصل لرضاء ربك؟
ومما يزيدك بكتاب الله ذهولا.. وهذا وجها من اعجازه (والوجوه) لا تُحصى!، أنّه الكتاب (الوحيد) الذي يمكن أن يُحفظ عن ظهر قلب، حتى في أواسط العوام!
فهاهم أشبالنا ومن همُ دونهم أعمار يتسابقون لهذه الكرامة التي لا يعدلها إلا من قام بمثلها، ثم.. أنه ويا للعجب.. ما أشار له الكثيرين بينهم الاستاذ محمد الوطيان (.. الكتاب العظيم تقرأه مرة، مرتين، وفي الثالثة ربما يصيبك الملل، لكنّ الكتاب «الأعظم» وهو القرآن الكريم فإنك تقرأه ألف مرة، ولا تشعر بالملل. بل في كل قراءة جديدة يدهشك ويمتعك، عدا ما يكشف لك عن أسراره)، لإنه.. مع كل قراءة.. يتولّد لدى القارىء (أو يقع) على جلائل لم تمرّ عليه من قبل.
ثم.. هو لا يَخْلق على كثرة الترديد، ولا يشبع الناظر فيه، ولا يخفت في الأفئدة جلال ما فيه ، وأيننا وقول عدوّ الله «الوليد بن المغيرة» والحق ما خرج من فيّ الأعداء كـ.. إقراراً:
(إن له حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مُغدق أسفله، وأنه ليحطّم ما تحته، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه)
وحظّ أهل القرآن -بالمناسبة..- ممن يكثروا التلاوة (تجد لديهم من الصفاء، والوعي) و.. الخ، بل وإلى اليوم تجد من يعثر على أحد كنوزه مما لم يبلغه الأوائل يُمنى بحظِّها كل من أطال في القرآن نظره، فقيّدت له.
على كلّ فإن العُتبى تطولنا كلّنا، لإن (الصادق مع القرآن هو من يجعل القرآن في إجمال حياته، وله أوفر النصيب منها، لا جزءاً منها، فكيف بمن أودعه عند فراغه)؟، أجل..
فـ((كتاب ربنا)) مهوى الطمأنينة لأفئدتنا إن تقلّب أحوالها، والسكينة لمركبتنا.. إذا عصفت بها أمواج الحياة، ومرفىء للقلوب المعلّقة بربها عبره، فربي اجعل قلوبنا من بينها.
وبعد..
أفذاذنا وعبر كل الأجيال قضوا أن كتاب ربنا (لا تنقضي عجائبه)، وبملىء الفم نمضي مع مقالهم، فمنذ 14 قرنا ولم نزل.. أن كم من مفسِّر أقدم، ولم يبلغ وجها من أحد مآربه!، نعم أن نِعم ما بُذل، ووجب له علينا الشكر لما حاول فما طاول..
لكن وحسب إقراره من سياق معاذيرٍ يبديها من يُقدم، ومن أنّه لم يلمّ بجزئية منه!، وحتى أكثرهم تجده (من البدء) أقتصر على موضوع معيّن، ثم صدّره باعتراف عن (وهن) قدراته أمام {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ} ممن؟ {.. مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}.
كيف.. وقد ذهب -محاولاً- لجمع جُهد طاقته ثم صبّه فوق جزئية (أو موضوع) واحد، وبعدها تجد غاية ما يتمناه أن عساه، ثم عساه أروى غليل ما لديه في ذلك، بل وافصاحه عما دفعه لذلك، أي اختياره لوجه تلك الجزئية تعذيراً آخر يقدّمه بين يدي طرحه، و.. مع هذا فهو لم يشبعها، وهو بذاته (أكُرر..) لم يجرؤء على القول أنه بلغ به غاية مرادهُ! وإني.. لأجزم -هنا- أنّه لو قالها بلسان التكنية حتى، لتصدّى للردّ عليه أدنى طويلب علم، ورحم الله الطبري وقد نُعت بأنه (شيخ المفسرين) ومقاييس البشر تتفاوت، فقد سمعت من يقدّم تفسير ابن كثير رحمه الله على غيره - من التفاسير-، مما يعني أنه لا يصح القطع بالحكم.
و.. عود لابن جرير لا يدع جملة (وقال بالذي قلنا به..) ألخ، يقصد أنه لم يقل بتلك من لدنه، أو من تلقائه بلغها، ما تجده في خواتيم استشهادته، وهذه لعلها منه (وقاية).. لذمّته، وكم يحرص على فعل تلك إدراكاً أن الإبحار إلا ويضيع معه - هو- قبل المتلّقي، ومن أطّلع على المهتمين في جانب التفاسير بلغه جُملة ما قيل عن تفسير الرازي - رحمه الله- أن (فيه كل شيء إلا التفسير)!، وذاك أن هناك من عصف ذهنه ولكن للأسف تمادى، أو ذهب لمواضيع أخرى.
.. فيما هناك من أخذ ببعض آيات التفكير مثلاً!، فتوسّع.. ما كاد يجني عطاءه!، عليه لولا أن تداركه من ربه نعمة (إقراره) بذلـك، فـ.. عاد من قريب، أي قبل أن يُقدَّم لساحة النقد!، ودليل أكبر أنّه إن كان (كل من الَّف فقد استهدف) -كما قال الجاحظ-، فكيف بحال من كان تأليفه يدور حول كتاب ربه؟،
هذا، ومن يقوم بهذا.. ولم يعد فيقيّم صنيعه، إلا ووجد من خرج له من أقاصي الأمّة وإن كان أشعث العلم.. ليطالبه بالمراجعة، والعودة عما شطح.. منه
ويحضرني قصة الذي أمن.. بين يدي الخليفة المأمون.. وقد ذكر أسباب إيمانه، أنه حرف بالتوراة، والإنجيل ولم يجد رادعاً، فيما حاول مع القرآن.. فكان أدنى متصفّح كاد يرمي عليه نسخة ما قدّم!
.. ثم إن كلهم.. قد قدّم لغة التأدّب، فوسم ما حوى عطاءه على أنه اجتهاد.. محض، فلم يجرؤ أيّ منهم الجزم ابتداءً أنه يُفسِّر!
ورحم الله (الشعراوي) وهو أحد أقطاب هذا.. بهذا العصر، وهو -أيضاً- الضليع باللغة وقد عنون ما كان يقدِّمه بأنها لا تعدو (.. خواطرٍ) حول القرآن..
فهذا أحدهم آمن بسبب جزء من آية، ويوم سُئل عنها؟، قال: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}، ثم ذهب يشرح (.. إن كلّ كاتب يُبدي اعتذارا بين يدي ما يطرحه، بل ويستمطر من لديه ملاحظ أن يرفعوا - بها- إليه، لعله يتلاحق في طبعة أُخرى، سوى هذا الكتاب)، وخذوا هذه التتمّة.. ما نجده في حياتنا أن/ كل صانع يحاول قدر الإمكان إخفاء عيوب صنعته، وذاك أن عساه يستطيع يسوّق لها، سوى المولى تعالى.. القائل في طي تحدٍّ في سورة الملك {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ}.
.. وحتى حديثا، فـ.. تصوروا أن بحثا بلغ زُهاء الـ (ألف صفحة).. وبعد أن خُلص الباحث لناتج.. قيل له (كل جهدك.. قد أوجزته آية {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا..}!، هذا..
وبعض من أمعن.. خرج من سورة «المسد» أنه (كان لأبو لهبٍ أن يُسلم ولو ظاهريا ليضع النبي في موقف..، لكن هيهات أن يفعلها!، فالله سبحانه أعمى عنه حتى هذا الجانب، وقد عاش زهاء العشر سنوات بعد نزول السورة) جاري ميلر - عالم الرياضيات-.
.. ومن أبدى عجز جهده أيّ بما يطرح علّق التعذير لنفسه بمشجب بذات كعب من له قدرا بين المبرّزين في أمته (الشافعي) رحمه الله بجملته المتداولة (أبى الله أن يتم كتابا غير كتابه)، باتراً بهذا العذر.. والذي مصادقيه لا تحتاج تقصّيا خلفها، وقاطعا - بمقولته- الطريق على كل من يحاول أن يطاول سنام الكمال، الذي لم يحازه سوى كتاب الله، لإن كلامه -سبحانه- يختلف جذرياً عن عطاء المخلوق مهما بلغ الأخير، ورحم الله «سيّد قطب» ففي تقريبٌ نفيس لجلاء عن هذه الجزئية - في (الظلال) موجزا (إن فرق ما بين كلامنا وكلام الله كهذا التراب، فنحن نصنع منه الفخار والجِفان، وربنا خلق منه بشرا سويّا)، كما في آية {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ...} [غافر: آية67]، فالله خلق آدم على صورته، فعل كلًّ زيادة تحمل عليها، هو ضرب من التمحل - تكلّف- ليس كتاب الله في حاجة إليه، و.. لولا أن الحقيقة العُرفية مقدّمة على اللغوية لوجدت الفاظا أُوقفت على معناها اللغوي الصِرف.
ولذلك تسمع عن معنيين الأول لغوي، والآخر اصطلاحي (أي تصالح الناس -اتفقوا- على وقفه على دلالة معينة)، مثل قوله تعالى: {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} اصطلاحي أي وقفوا، فيما لغوياً أي: كانوا جلوساً فقاموا، كما في آيةٍ عن أهل الكهف، يوم {قَامُوا فَقَالُوا...}.
وبمناسبة ما أشرت له، فإن من جلائله أن كلّ من فتح الله عليه بجزئية منه سلبّ من الخلق القلب واللبّ، فيجذفنا إلى ضفاف ما بلغه.
إذ كفاه أنه أُوتى فتحا ليس باختراع! بل لإبداع ماسّ أعظم كنوزنا، وهاكم وآفرٍ من ذاكم، فقد (أشار) أحدهم عن.. (الأنبياء الأربعة الذين ذُكروا - حُصرا - في سورة يونس أنهم «كلهم» جمعهم البحر)، وهذا أستاذنا فاضل السامرائي -حفظه الله- (مقرباً عن الحروف المقطعة بمطالع بعض السور (.. إن أي سور تبدأ «حم» إما تبدأ بتنزيل الكتاب، أو القسم به، كما.. وأن السور التي بين حروفها المقطعة حرف (الطاء) أول ما تبدأ بقصة موسى عليه السلام).
هذا، ولكل من أجاد (بهذا المنحى) إلا وأخذ بالملكات اعجابا، وبالذائقة اطرابا، مقابل نكالا لمن (أخفق)، لإن الملام إن لم يعد عما بدر منه، سيتبعه حتى يوم حتفه! كما تقدم تنبيها، بالأخص تجرأ فخاض بأدواته الواهنة في آيات ربه!
وهنا نعي غزير محاذير بين آيات مثل {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} أي: والحال أنهم يظنون أنهم يقدِّمون الأعمال الحسنة التي تنفعهم!، وما علموا أنهم فعلوا النقيض -العكس-، وكذلك جاء في قوله تبارك وتعالى {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ...}، ففي هذه جهل مركّب!
لإن الذي يعمل السوء ويعلم أنه سوء قد تَأمل يوما توبته، ولربّه أوبته، لكن وبال الوعيد يزداد على من يعمل السوء وهو يظنه قد أحسن عملا!، فهذا -لعمري- هو الضلال المبين!، ويا.. سبحانه الله، تجد ما يقابلها مَن {يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ...} مخافة أنه لا يُقبل منهم!، وكذا حال من يؤثرون على أنفسهم، مع ما فيهم من (خصاصة).
.. وذاك أن العلماء ذهبوا في محاذيرهم لأبعد (.. إن من أقّدم وهو ليس بأهل للعلم.. بما يقول، فهو حتى لو أصاب.. آثم) ثم عللوا (لإنه قد يجرؤ، فيكرر..)، وعندها فليتبوء -فاعله- ما في طي التهديد الذي في الآية {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
على أن هذا لا ينقض ما ينصح به المربين، -للدربة- « إنه.. ينبغي لطالب العلم أن يحاول فهم الكتاب والسنة من عند نفسه أولاً»، ولهذا أتى (الحث) لأولئك أن يحاولوا (قبل كل شيء) فهم الكتاب والسنة من تلقاء (جُهد) أنفسهم، ثم بعد ذلك يَعرضون ما فهموه على ما فهمه سلف الأمة، فإن وآفق، أي طابق-، فهذا خير، ونعمة من الله تعالى، وإن خالف فالصواب مع السلف، والعود لمن فعل هذا.. هو -له- أحمد، أعني لا يُكابر، أو يتمادى!
أما كون الإنسان كلما أراد معنى آية ذهب لكُتب التفسير فإن حاسة -ملكات- التمعن.. التدبر، تتعطّل عنده، فلا تجده يقول إلا قول من سبقه..
لكنك يـ(طالب العلم) متى ما تحاول أولاً أن تفهم النص بنفسك، ثم تعرض ما تفهم على من سلف من العلماء، وكذا أهل التخصص من علماء عصرك، فأبشر مع خلوص النيّة بالفتوحات الربانية.
ختم..
الحديث يطول، والمساحة المُقدّره من أهل الصحيفة ليس بملكي التعدّي عليها.. مستلحقاً بدعوةٍ (ربنا لا تجعلنا ممن تغررهم الشمس بطول ظلالهم)، ومقدراً كرمهم، ولذلك أتوقف، برغم أن في الجعبة الكثير.
نعم، فلهم كل التقدير، حتى.. وإن كان الحديث هنا مغر.. مثير، لأنه عن كتاب ربنا،.. لأوجز (لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام ربنا)، واليوم أزيد بـ (لو خلصت) - تخلّصت- من شوائب الدنيا..! لما آثرت عنه غيره، فالصادق بحق (من يجعل للقرآن كل الجليل من وقته، لا.. في فراغه).