يحيى جابر
o ارتبط تطور علم الإعلام بمحاولات علمية متواصلة لفهم طبيعة تأثير الرسائل الإعلامية في الإنسان، وكيف تسهم وسائل الاتصال في تشكيل وعيه وسلوكه واتجاهاته، وقد بدأ هذا الاهتمام مع بدايات القرن العشرين، في ظل صعود الصحافة الجماهيرية ثم الإذاعة، وما صاحب ذلك من تحولات سياسية واجتماعية عميقة، وقد أسفر هذا المسار عن ظهور نظريات متعددة، اختلفت في منطلقاتها، لكنها تشاركت في السعي إلى تفسير العلاقة بين الإعلام والإنسان، ويمكن تتبع هذا التطور العلمي من خلال خمس نظريات رئيسة شكّلت الأساس المعرفي لدراسات التأثير الإعلامي
o تعود البدايات الأولى لدراسة التأثير الإعلامي إلى أعمال عالم السياسة والاتصال الأمريكي هارولد دوايت لاسويل المولود عام 1902 والمتوفى عام 1978، ويُعد كتابه تقنيات الدعاية في الحرب العالمية الأولى الصادر عام 1927 من أوائل المؤلفات العلمية التي تناولت الإعلام بوصفه أداة تأثير قوية، وقد خلص لاسويل، من خلال تحليله للدعاية السياسية خلال الحرب، إلى أن الرسائل الإعلامية تمتلك قدرة مباشرة على اختراق وعي الجماهير، خاصة في أوقات الأزمات، وهو التصور الذي ساد خلال الفترة الممتدة بين 1920 و1940، حيث افترضت هذه الرؤية أن الإنسان متلقٍ سلبي، يتأثر بالرسائل الإعلامية فور تعرضه لها، وقد ساعد نجاح الدعاية السياسية في أوروبا وأمريكا على ترسيخ هذا الفهم، وكان الهدف الرئيس من هذه النظرية تفسير فعالية الإعلام في توجيه الرأي العام وحشد الجماهير خلف أهداف سياسية أو عسكرية، غير أن هذا التصور لم يلبث أن خضع لمراجعة علمية دقيقة، مع تطور مناهج البحث الميداني في أربعينيات القرن العشرين، فقد قاد عالم الاجتماع النمساوي الأمريكي بول لازارسفيلد، المولود عام 1901 والمتوفى عام 1976، دراسات واسعة حول السلوك الانتخابي في الولايات المتحدة، ونُشرت نتائج هذه الأبحاث في كتابه الشهير اختيار الناس عام 1944، ثم تعززت لاحقًا بكتاب التأثير الشخصي الصادر عام 1955 بالاشتراك مع الباحث إيليهو كاتز، وأثبتت هذه الدراسات أن تأثير الإعلام لا ينتقل مباشرة إلى الجمهور، بل يمر عبر أفراد يتمتعون بثقة اجتماعية ومعرفية، عُرفوا بقادة الرأي، وبذلك انتقل التفكير من إعلام يؤثر في الإنسان مباشرة، إلى إعلام يعمل ضمن شبكة من العلاقات الاجتماعية، وكان الهدف من هذا الطرح تصحيح المبالغة في قوة الوسيلة الإعلامية، وإبراز دور التفاعل الإنساني في تشكيل القناعات، ومع اتساع حضور وسائل الإعلام في الحياة اليومية خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، برز اتجاه علمي جديد ركّز على وظيفة الإعلام في ترتيب أولويات الاهتمام العام، وقد قاد هذا الاتجاه الباحثان الأمريكيان ماكسويل ماكومبس ودونالد شو، من خلال دراستهما حول الانتخابات الرئاسية الأمريكية، المنشورة عام 1972، حيث توصلا إلى وجود علاقة ارتباط واضحة بين القضايا التي تركز عليها وسائل الإعلام، وتلك التي يراها الجمهور أكثر أهمية، ومن هنا ظهرت نظرية وضع الأجندة، التي تؤكد أن الإعلام لا يخبر الإنسابما يفكر فيه، بل يحدد له القضايا التي ينبغي أن يفكر فيها، وقد هدفت هذه النظرية إلى تفسير الدور غير المباشر للإعلام في تشكيل الوعي الجمعي، بعيدًا عن فكرة الإقناع المباشر أو السيطرة المطلقة، وانطلاقًا من هذا الفهم، تطور البحث العلمي خطوة أخرى ليتناول كيفية تقديم القضايا، لا مجرد ترتيبها، وهو ما أدى إلى بروز نظرية التأطير الإعلامي، التي تعود جذورها إلى عالم الاجتماع الكندي إرفنغ غوفمان، المولود عام 1922 والمتوفى عام 1982، في كتابه تحليل الأطر الصادر عام 1974، قبل أن تتبلور بشكل أوضح في دراسات الإعلام، ولا سيما مع الباحث روبرت إنتمن في دراسته المنشورة عام 1993، وتنطلق هذه النظرية من أن اختيار الكلمات، والزوايا، والسياقات، يوجّه فهم الإنسان للحدث، ويؤثر في تفسيره الأخلاقي والمعرفي، وبذلك يصبح الإعلام صانعًا للمعنى، لا مجرد ناقل للمعلومة، وكان الهدف من هذه النظرية كشف الآليات الرمزية التي يستخدمها الإعلام في توجيه الإدراك العام، وفي السياق ذاته، جاءت نظرية الغرس الثقافي لتضيف بعدًا زمنيًا طويل المدى لفهم التأثير الإعلامي، وقد قدمها عالم الاتصال الأمريكي جورج جربنر، المولود عام 1919 والمتوفى عام 2005، في أواخر ستينيات القرن العشرين، ونُشرت أبرز نتائجها عام 1976 ضمن دراساته حول العنف التلفزيوني، وتفترض هذه النظرية أن التعرض المستمر والمتكرر للمحتوى الإعلامي يؤدي إلى غرس تصورات معينة عن الواقع في ذهن الإنسان، بحيث تتشكل رؤيته للعالم وفق الصورة التي يعكسها الإعلام، لا وفق التجربة المباشرة، ويكمن أثر هذه النظرية في كشف التأثير التراكمي غير المرئي للإعلام، وكان هدفها الرئيس التحذير من تشكل وعي مشوَّه على المدى الطويل دون إدراك مباشر من المتلقي، ومن خلال هذا التسلسل المتدرج، يتضح أن نظريات التأثير في الإعلام لم تتناقض بقدر ما تكاملت، فقد انتقل الفكر العلمي من تصور الإعلام بوصفه قوة مباشرة وقاهرة، إلى فهمه بوصفه فاعلًا اجتماعيًا، يحدد الأولويات، ويصنع المعاني، ويغرس التصورات، ويؤثر في الإنسان عبر الزمن، وتكمن أهمية هذه النظريات في كونها تمنح الباحثين والممارسين أدوات علمية دقيقة لفهم التأثير الإعلامي، وتوظيفه بمسؤولية تحترم الإنسان ووعيه، وتوازن بين قوة التأثير وأخلاقيات الاتصال.
أخيراً:
o ربما لا يدرك المتلقي العادي أن الإعلام له نظريات ودراسات في علم الاتصال وعلم الاجتماع وعلم الإعلام وغيرها، تقدم له مواد صحفية وأفلام ومسلسلات وإعلانات وأغاني وكل ما يشاهد من مواد في الأساس هي معلبة ووفق خطة الهدف منها عقل المتلقي، وهنا يجب علينا في هذا الفضاء الواسع أن نحلل ألف مرة قبل الاقتناع بالمعلومة، بأسئلة ذاتية داخلية، هل هي في الصالح العام أم ضارة؟ من يقف خلف الرسائل الإعلامية؟ وهل هو عدو أم حريص على مصلحتي؟، وما الهدف من هذه الرسالة؟، هل تسعى لإخافتي وخلق الرعب دون سبب؟، أم لخلق الطمأنينة ونشر الوعي؟ كم وكم من الأسئلة التي تحتاج لإجابات.
o علم الإعلام واسع النطاق يستحق منا التوعية والتفكر والتدقيق.
** **
- تخصص صحافة وإعلام