هدى بنت فهد المعجل
يظن كثير من الناس أن ما يمنعهم من المحاولة هو الخوف من الفشل، لكن الحقيقة أهدأ وأعمق من ذلك. الإنسان لا يخاف النتيجة السيئة بقدر ما يخاف الفراغ الذي قد تتركه تلك النتيجة في داخله. الفشل حدثٌ واضح يمكن وصفه، أما الفراغ فهو شعور بلا شكل، بلا لغة، وبلا حدود، ولهذا يبدو أكثر تهديدًا.
الفشل، مهما كان مؤلمًا، يمنح صاحبه قصة. يستطيع أن يقول: حاولت ولم أنجح، أو تعثرت ثم قمت. أما الفراغ فلا يمنح قصة، بل يسحب من الإنسان الإحساس بأنه يسير نحو شيء. إنه ليس سقوطًا، بل توقّف في مساحة لا تشير إلى اتجاه. ولهذا، حين يتردد الناس قبل خطوة جديدة، فهم لا يسألون أنفسهم: ماذا لو أخفقت؟ بل يسألون في أعماقهم: ماذا لو لم أشعر بشيء بعدها؟
الإنسان بطبيعته يحتاج أن يشعر أنه ممتلئ بمعنى ما، حتى لو كان هذا المعنى مؤقتًا أو هشًا. العمل يملأ جزءًا من الفراغ، العلاقات تملأ جزءًا آخر، وحتى الانشغالات الصغيرة تمنح إحساسًا بأن للحياة وزنًا. لذلك، عندما يقترب من قرار قد يغيّر هذا الامتلاء، يشعر بخوف خفي. ليس خوفًا من الخسارة وحدها، بل من احتمال أن يجد نفسه فجأة في مساحة صامتة، بلا دور واضح، ولا إحساس بأنه مطلوب في مكان ما.
هذا ما يجعل بعض الناس يتمسكون بوظائف لا يحبونها، أو بعلاقات انتهت منذ زمن، أو بروتين يومي يرهقهم. هم لا يحمون نجاحهم، بل يحمون امتلاءهم المؤقت. الفراغ بالنسبة إليهم ليس راحة، بل سؤال مفتوح: من أكون إذا توقّف كل هذا؟ وماذا يبقى مني إذا لم يعد لديّ ما يشغلني؟
والغريب أن المجتمع يساهم في تكبير هذا الخوف دون أن ينتبه. فهو يربط قيمة الإنسان بما يفعله باستمرار، لا بما يكونه في داخله. من يعمل أكثر يبدو أهم، ومن يظهر في مشهد الحياة باستمرار يبدو أكثر حضورًا. أما من يتوقف قليلًا ليعيد التفكير، فقد يُنظر إليه كأنه تراجع أو ضاع. وهكذا يتعلم الناس أن يملؤوا أيامهم بأي شيء، فقط كي لا يواجهوا لحظة الصمت التي قد تكشف لهم أسئلة لم يؤجلوها فحسب، بل هربوا منها.
لكن الفراغ ليس دائمًا عدوًا كما نظن. أحيانًا يكون المساحة الوحيدة التي يستطيع الإنسان فيها أن يرى نفسه دون ضجيج. حين تتوقف الانشغالات، يظهر ما كان مخفيًا خلفها: الرغبات الحقيقية، التعب المتراكم، وحتى الأحلام التي تم تأجيلها حتى بدت غير موجودة. الفراغ لا يسلب المعنى، بل يزيل الطبقات التي كانت تغطيه.
غير أن مواجهة هذه المساحة تحتاج شجاعة مختلفة عن شجاعة المحاولة. فالمحاولة تتجه نحو الخارج، نحو إنجاز أو نتيجة. أما الفراغ فيتجه إلى الداخل، إلى مواجهة النفس دون وسطاء. ولهذا يفضّل البعض البقاء في حركة دائمة، لأن الحركة تمنحهم وهم السيطرة، بينما السكون يجبرهم على رؤية ما لا يمكن تبريره بسهولة.
في لحظة صادقة، قد يكتشف الإنسان أن حياته لم تكن مزدحمة لأنه كان سعيدًا، بل لأنها كانت تحميه من الشعور بالفراغ. وقد يدرك أن ما ظنه خوفًا من الفشل لم يكن سوى خوف من أن تتوقف الضوضاء فجأة، فيسمع صوته الداخلي بوضوح لأول مرة.
وهنا فقط يتغيّر السؤال. لا يعود: كيف أتجنب الفشل؟
بل يصبح: هل أملك الشجاعة لأقف قليلًا في المساحة الصامتة بين ما كنت عليه وما يمكن أن أكونه؟
فالإنسان لا ينضج حين ينجح فقط، بل حين يتعلم كيف يجلس مع نفسه دون أن يهرب منها.
والفراغ، رغم قسوته الأولى، قد يكون المكان الوحيد الذي يولد فيه المعنى الحقيقي.. لا لأنه مليء بشيء، بل لأنه أخيرًا خالٍ بما يكفي لنسمع ما بداخلنا.