فؤاد بن عبدالله الحمد
مع اقتراب شهر رمضان، تتكرر الشكوى من توتر الأبناء وتشتت تركيزهم وقلة صبرهم. غير أن الأرقام الحديثة تشير إلى أن الأمر لم يعد سلوكًا عابرًا أو مرحلة عمرية؛ بل نمط حياة جديد يفرض نفسه على جيل كامل. ففي تقرير صادر عن شركة MetLife في مارس 2025 - وهو مسح لرفاهية الشباب في الولايات المتحدة - أفاد 46 % من جيل «زد» بشعور دائم بالتوتر، و44 % بإرهاق مستمر، بينما يواجه 35 % أعراضًا اكتئابية. هذه الأرقام لا تصف أفرادًا متعبين، بل بيئة معيشية مرهقة.
المفارقة أن هذا الجيل هو الأكثر اتصالًا في التاريخ، ومع ذلك يعاني 30 % منهم من العزلة الاجتماعية. السبب لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في اختفاء الحدود: الهاتف هو المدرسة، ومكان الترفيه، وساحة الأصدقاء، ومصدر الأخبار في آن واحد. لا توجد لحظة «خارج الخدمة» يعود فيها الذهن إلى وضع الراحة. ومع أن الأجيال السابقة كانت تنتقل بين أنشطة مختلفة خلال اليوم، يعيش الشاب اليوم داخل تدفق واحد مستمر من التنبيهات والمقارنات والتوقعات.
هنا تحديدًا تتشكل الضغوط المالية المبكرة التي ذكرها التقرير لدى نحو 30 % من الشباب؛ إذ يتعرض الفرد يوميًا لصور النجاح والرفاه قبل أن يكوّن مساره الواقعي بعد. المقارنة لم تعد موسمية، بل دائمة، ولذلك لم يعد القلق مرتبطًا بحدث معين، بل بحالة ذهنية مستمرة.
رمضان يمنح فرصة عملية لا وعظية لإعادة ضبط الإيقاع. ليس المطلوب منع التقنية، بل إعادة تعريف موقعها داخل الحياة. ويمكن البدء بثلاث خطوات بسيطة: ساعة عائلية بلا أجهزة بعد الإفطار، تأخير استخدام الهاتف في أول ساعة صباحًا، وإحياء حوار يومي مباشر داخل المنزل. هذه الإجراءات الصغيرة تعيد للجهاز دوره كأداة، لا كبيئة يعيش داخلها الإنسان.
المشكلة ليست في ضعف جيل جديد، بل في عالم لا يسمح للعقل بالتوقف. وإذا كان الصوم يعلّم ضبط الشهوة، فإن معناه الأعمق اليوم هو تدريب الانتباه. فهدوء الأبناء لن يعود بالمواعظ، بل بإعادة بناء يوم يمكن احتماله نفسيًا.