سعود عبدالعزيز الجنيدل
في عام 2017 دخلتُ وكالة الأنباء السعودية (واس) لا بوصفها وظيفة تُضاف إلى السيرة، بل بوصفها مدرسة يُعاد فيها تشكيل السيرة ذاتها.
دخلتُها وفي القلب شغف الحرف، وفي الذهن رهبة المسؤولية، وفي اليد قلم يتعلّم قبل أن يكتب.
في واس أدركت أن الخبر ليس نصًا يُنجز، بل عهدًا يُحفظ.
وأن العنوان ليس براعة صياغة، بل أمانة دلالة.
وأن الدقيقة في عالم الأنباء قد تصنع فارقًا بين سبق مهني، ودقة وطنية، وصورة تُرسم عن بلد بأكمله.
كانت الأيام تمضي سريعًا، لكنها لم تكن عابرة.
كل مناوبة درس.
وكل اجتماع مراجعة للذات.
وكل خبر يُبث شهادة انتماء.
رأيت في واس كيف تُدار الكلمة بحساب،
وكيف يُصاغ الموقف بلغة متزنة،
وكيف يكون العمل المؤسسي روحًا لا اسمًا.
فلا أحد يعلو على الفريق،
ولا فرد يختصر المؤسسة،
بل الجميع يسيرون في اتجاه واحد: أن تكون المعلومة دقيقة، والصياغة رصينة، والرسالة وطنية.
تسع سنوات تقريبًا لم تكن زمنًا يُعدّ بالأيام،
بل مرحلة تُقاس بالنضج.
فيها تعلّمت أن الصمت أحيانًا أبلغ من الضجيج،
وأن التصحيح في اللحظة الأخيرة فضيلة،
وأن المسؤولية لا تُرى دائمًا.. لكنها تُشعر.
وفي 28 فبراير 2026.. سأتهيأ للترجّل.
لا لأن العطاء انتهى،
ولا لأن الصفحة أُغلقت،
بل لأن المسار المهني بطبيعته انتقال بين محطات،
وكل محطة تضيف إلى الروح خبرة، وإلى الضمير يقظة.
أغادر واس.. ولا أغادر أثرها.
فما تعلّمته بين جدرانها سيبقى يسكن لغتي،
وما عشته بين زملائها سيبقى يسكن وجداني.
أغادر وأنا أحمل تقديرًا صادقًا لكل من شاركني لحظة قرار، أو اختلاف رأي، أو مناوبة امتدت إلى ما بعد منتصف الليل، أو ابتسامة إنجاز بعد خبر استوفى شروطه.
أدركت في هذه الرحلة أن المؤسسة ليست مبنى ولا شعارًا،
بل منظومة قيم: الدقة، والانضباط، والمسؤولية، والعمل الجماعي.
وأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بسنوات البقاء،
بل بعمق الأثر الذي يتركه المكان فيك.. وتتركه أنت فيه.
أترجّل بهدوء الواثق،
ممتنًا لمرحلة صنعت مني كثيرًا،
وحاملًا معي يقينًا راسخًا:
أن خدمة الخبر.. في جوهرها خدمة وطن.