د. محمد بن أحمد غروي
اتسمت دول جنوب شرق آسيا بالتنوع الثقافي وصنفت بأنها الأكثر انسجاماً بين مواطنيها. فالهوية الوطنية التي تجمع أبناء البلد الواحد أمر حتمي وأساسي لتحقيق المواطنة والحفاظ على السلم المجتمعي بين مختلف مكونات المجتمع. وتشير الأبحاث أن التعليم يلعب دورًا حيويًا في بناء الأمة، من خلال مبادرات تعليم المواطنة التي تُسهم في بناء هوية موحدة تحتضن التنوع والتعدد.
كما توصلت الدراسات إلى أن 6 المناهج التعليمية التي تُعطي الأولوية لقيم الوحدة تُسهم في بناء الروح الوطنية لدى جيل الشباب. ويُعدّ تطبيق النظام التعليمي أداةً فعَّالةً لتعزيز برنامج بناء الشخصية الوطنية. وأثبتت الدراسات أن الشباب الذين يتسمون بروح وطنية قوية يُسهمون إسهامًا إيجابيًا في ازدهار بلدهم وحمايتها من التهديدات التي قد تُزعزع وحدته.
انطلاقًا من أهمية التعليم في تعزيز الهوية الوطنية وقيم الوحدة بين أطياف المجتمع، أدرج عدد من دول آسيان في سياساتها التعليمية برامج من شأنها التأكيد على الهوية الوطنية في مجتمعات متعددة الثقافات. ففي تايلاند، ومنذ السبعينيات، مع تطور مشروع الهوية التايلاندية أطلقت وزارة التعليم خططها لتعزيز الوعي بالتراث الثقافي والاعتزاز بالهوية التايلاندية لدى المتعلمين من الأطفال والشباب، وتدريس المعارف التايلاندية لإحيائها.
كما أعلنت وزارة التعليم في ماليزيا عن الخطة الوطنية للتعليم 2026 - 2035 التي تستهدف تحديث النظام التعليمي، لثقل الوحدة الوطنية بين أفراد المجتمع. وجعلت الخطة الجديدة من اللغة الملايوية والتاريخ مادتين إجباريتين في جميع المؤسسات التعليمية، بما في ذلك المدارس الدينية والدولية والخاصة، بهدف تعزيز الهوية الوطنية وتنمية فهم مشترك لتراث ماليزيا.
يؤكد خبراء ماليزيون أن الخطة الجديدة من شأنها أن تسمح للسكان متعددي الأعراق الذين يتقنون لغات مختلفة، بامتلاك علاقات أكثر ودية فيما بينهم، مع تجنّب سوء الفهم الناجم عن ضعف التواصل، وأن دراسة اللغة الملايوية والتاريخ إلزاميًا في المدارس يغرس روح الوطنية وتشكيل هوية الطلاب منذ صغرهم، لضمان امتلاك جميع الطلاب فهماً أساسياً موحداً لنشأة ماليزيا، والدستور الاتحادي، والقيم الوطنية، بهدف تنشئة جيل متوازن في الشخصية والتحصيل الأكاديمي.
في سنغافورة بعد الاستقلال، تمحورت الإصلاحات التعليمية حول ثلاثة مبادئ رئيسية كان من أهمها إرساء التعددية الثقافية، والتعدد اللغوي، لمعالجة القضايا المعقدة لإدارة التنوع وتعزيز التماسك الاجتماعي. وأقرت التعددية الثقافية بالوجود المستمر للتنوع العرقي داخل الدولة، وتبنت سنغافورة نموذج المجتمعات داخل المجتمع، حيث تتعايش الهويات العرقية المتنوعة ضمن إطار وطني متماسك، وعالجت التحدي اللغوي من خلال تطبيق نظام تعليمي ثنائي اللغة، ويتقن فيه كل طالب اللغة الإنجليزية بالإضافة إلى لغته الأم.
وفي عام 1997، عمَّقت سنغافورة الاهتمام بالمفاهيم الوطنية في أجندتها التعليمية، إذ أطلقت برنامج التربية الوطنية الذي يهدف إلى غرس فهم للتحديات التي تواجه سنغافورة، كما يؤكد على القيم الأساسية للوئام بين الأعراق والأديان. ولا تُدرَّس التربية الوطنية كمادة منفصلة في المدارس، بل تُدمج في مناهج المرحلة الابتدائية، ومن أمثلة التربية الوطنية مراسم رفع العلم اليومية وأداء قسم الولاء، وزيارات المؤسسات الحكومية الرئيسية.
وفي إندونيسيا استحدثت الحكومة الإندونيسية وكالة تطوير أيديولوجية البانكاسيلا (BPIP) في عام 2016 لترسيخ قيم الوحدة من خلال التعليم. كما أطلقت الوكالة ومكتب حماية الملكية الفكرية، بالتعاون مع وزارة التعليم والثقافة والبحث والتكنولوجيا، كتاباً مرجعياً لتعليم مبادئ البانكاسيلا ليكون بمثابة دليل للمعلمين في جميع أنحاء إندونيسيا في عام 2023، لتوطيد علاقة المتعلمين بمبادئ «بانكاسيلا» المدنية ومساعدة المعلمين على غرس هذه المبادئ لدى الطلاب.
كما أعلنت وزارة التعليم الإندونيسية العام الماضي عن نموذج جديد للتعليم سيركز على تطبيق قيم الوطنية في الحياة اليومية، مشجعًا الطلاب ليس فقط على فهم المفاهيم، بل أيضًا على تقدير معناها وأهميتها، وفي سبيل ذلك أضافت الوزارة الكشافة نشاطًا إلزاميًا في المدارس لتعزيز الوطنية وبناء الشخصية.
وفي الفلبين تسعى وزارة التعليم الفلبينية لدمج تعليم السلام في المناهج الدراسية، لتنشئة جيل يُولي السلام والوحدة ورفاهية مجتمعاته الأولوية القصوى، إذ تعمل الحكومة بنشاط مع المؤسسات الأكاديمية لضمان دمج تعليم السلام في صلب النظام التعليمي في جميع أنحاء البلاد، لتحقيق السلام والمصالحة والوحدة لجميع الفلبينيين.