زياد الجارد
في كل مرة تخرج فيها بطاقتك من محفظتك، أنت لا تدفع فقط، بل تصوّت دون أن تشعر على شكل السوق الذي تريده.
هل هو سوق تحكمه الجودة؟ أم سوق تحكمه الأسعار والبحث عن الأرخص بأي ثمن؟
القرار ليس بالبساطة التي يبدو عليها، سعر أقل مقابل نفس الشكل، لكن حين يتكرر هذا القرار، لا يبقى فرديًا، بل يتحول إلى اتجاه يصنع ملامح السوق.
ليس دائمًا السعر المنخفض هو «فرصة»، أحيانا يكون تكلفة مؤجلة، تظهر لاحقًا في السلامة، أو في عمر المنتج، أو في الأعطال المتكررة، أو في غياب الجهة التي يمكن الرجوع إليها عند الخلل. وهذه ليست رفاهية، بل هي أساسيات تستوجب النظر لأنها تمس الصحة، واستقرار الإنفاق وأمان الاستخدام.
وعي المستهلك لا يعني ترك كل ما هو منخفض السعر، ولا يعني البحث عن الأغلى، بل التمييز بين السعر والقيمة. فالقيمة هي ما تحصل عليه على المدى الطويل، لا ما تدفعه عند نقطة البيع فقط.
وحين ننظر إلى رب الأسرة الذي يفضل منتجًا آمنًا حتى لو كان أعلى سعرًا، فهو يحمي أسرته أولًا، لكنه في الوقت نفسه يدعم سلسلة توريد أكثر التزامًا، ويمنح السوق إشارة واضحة أن الجودة مطلوبة.
الصفقة التي تبدو موفرة في لحظتها، قد تخلق فجوة في الثقة لاحقًا، منتجات لا يمكن صيانتها، أو منتجات ذات أثر صحي سلبي. وعي المستهلك في هذا الإطار يجعله خط الدفاع الأول، ليس لأنه بديل عن أنظمة الرقابة، بل لأنه العامل الأكثر تأثيرًا واستمرارية، فالقوانين صارمة وجيدة ولكن هناك من يلتف عليها ويتلاعب بجودة المنتجات الداخلة إلى السوق.
ولكي لا يبقى الحديث عامًا، يمكن تلخيص الشراء الواعي في مجموعة نقاط بسيطة:
أولًا: الحاجة قبل الرغبة، هل أحتاج هذا المنتج فعلًا؟
ثانيًا: القيمة مقابل السعر، ليس المهم أن يكون السعر منخفضًا، بل أن تكون القيمة حقيقية والجودة قابلة للاستمرار.
ثالثًا: التوقيت والتخطيط، هل الشراء مدروس وضمن الميزانية؟
رابعًا: منطق السعر ومصدر المنتج، هل هناك فرق سعري منطقي بين منتج مستورد من دولة معروفة بجودة صناعتها ومنتج آخر يحمل نفس بلد المنشأ ولكن بسعر منخفض بشكل كبير؟
الأصل أن تكون الفروقات في السعر محدودة، أما الفجوة الكبيرة بالسعر تستوجب التحقق من صحة بلد المنشأ والمواصفات الفعلية.
في النهاية، الشراء الواعي ليس موقفًا فرديًا عابرًا، بل ممارسة يومية تعيد تشكيل السوق بهدوء، وكل قرار شراء هو رسالة غير مكتوبة، إما أن تقول للسوق أن الجودة مهمة أو تهمس له بأن السعر وحده يكفي. والأسواق بطبيعتها تستجيب لما يتكرر.
لذا، فإن المستهلك الواعي لا يحمي ميزانيته فقط، بل يشارك في بناء سوق أكثر التزامًا وجودة.