رسيني الرسيني
في بقعةٍ يصل عمر الاستيطان البشري فيها إلى نحو أربعة آلاف عام، أقيم مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة، بتنظيم مشترك من وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وعلى مدار يومين احتضنت محافظة العُلا في قاعة مرايا نخبةً من صُنّاع القرار ووزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وقادة الكيانات المالية الدولية والخبراء والمختصين من مختلف دول العالم. لم يكن المؤتمر مناسبةً اقتصادية فحسب، بل نافذةً للزوار لاكتشاف إحدى أجمل الوجهات السياحية في المملكة، حيث يمتزج الفكر بالتاريخ والطبيعة بالجغرافيا.
تنظيم مؤتمر اقتصادي رفيع في مدينةٍ سياحية بعيدة عن العاصمة يمنح الحدث بُعدًا تنمويًا إضافيًا. فاختيار العُلا بدلًا من الرياض لا يوزّع النشاط الاقتصادي جغرافيًا فحسب، بل يفتح المجال أمام تنشيط حركة الطيران الداخلي والدولي إلى مطار المنطقة، ويرفع معدلات إشغال الفنادق، ويحفّز المطاعم والأسواق والأنشطة الترفيهية.
كما أن انتقال الوفود الرسمية ورجال الأعمال إلى وجهة سياحية يخلق تجربة متكاملة تجمع بين العمل والاستجمام، ما يطيل مدة الإقامة ويرفع متوسط الإنفاق للفرد. وفي الوقت ذاته، يخفف ذلك من الضغط على البنية التحتية في الرياض وجدولها المزدحم بالفعاليات، ويعزز مفهوم التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة.
ومن هنا، قد يكون من المناسب إعادة التفكير في خريطة المؤتمرات الكبرى لتشمل مدنًا سياحية متعددة مثل: جدة، ومشروعات البحر الأحمر، وأبها وغيرها من المناطق الواعدة. فعلى سبيل المثال، يُعقد مؤتمر التأمين العالمي سنويًا، وقد استقطب في نسخته الماضية أكثر من سبعة آلاف زائر ومشارك من دول مختلفة وبمشاركة جهات حكومية ودولية وحضور إعلامي مميز، فلو أُقيمت مناسبة بهذا الحجم في إحدى الوجهات السياحية، لأصبحت منصة مزدوجة للتواصل المهني والترويج السياحي في آنٍ واحد، بما يعزز صورة المنطقة عالميًا ويمنحها زخمًا إعلاميًا واستثماريًا مضاعفًا.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن خلق أحداث بارزة في مدن سياحية لا ينعكس فقط على نسب الإشغال الفندقي أو مبيعات التجزئة، بل يُحدث أثرًا اقتصاديًا مضاعفًا يمتد إلى سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية والنقل؛ فكل مؤتمر كبير يولّد طلبًا مباشرًا على الخدمات، ويخلق طلبًا غير مباشر عبر الإنفاق المصاحب للزوار، ويُسهم في توفير فرص عمل مؤقتة ودائمة لأبناء المنطقة.
كما أن التغطية الإعلامية الدولية تعزز العلامة السياحية للمدينة، فتتحول الزيارة المهنية إلى دافعٍ لزيارة عائلية لاحقة أو استثمار مستقبلي. وبهذا المعنى، تصبح المؤتمرات أداة تنموية إستراتيجية، توظّف السياحة كرافعة اقتصادية وتحوّل الجغرافيا إلى شريك فاعل في صناعة النمو.
حسنًا، ثم ماذا؟
لم تعد المؤتمرات مجرد منصات للنقاش وتبادل الخبرات، بل غدت محركات فاعلة لتنشيط السياحة وتحفيز الاقتصاد المحلي. وعندما تُدار برؤية تنموية متكاملة، تتحول إلى أداة تعزز التنويع الاقتصادي وتوسّع أثر السياحة المستدامة.