عمرو أبوالعطا
لا أريد أن أعود إلى قاعة الأفراح، فما زالت القاعات كما هي، أضواء تدور، موسيقى تعلو، ووجوه تبحث عن لحظة اكتمال عابرة، غير أن الرغبة الحقيقية تتجه نحو التوقف أمام تلك الليلة التي انزلق فيها الفرح من معناه، وتحول من طقس اجتماعي مستقر إلى مشهد كاشف لزمن مختلف، زمن تراجعت فيه المسافة بين الخاص والعام، وصارت المناسبات الشخصية مادة مفتوحة للتداول، تتنازعها الشاشات، وتعيد تشكيلها الخوارزميات.
فرح كروان مشاكل جاء خارج إطار الليالي العابرة، واتخذ صورة أوسع من مجرد حفل زفاف خرج عن السيطرة، فقد حمل ملامح عصر كامل، عصر تقاس فيه القيمة بعدد المتابعين، ويعاد فيه تعريف النجاح وفق منطق الانتشار، وتتحول فيه الحياة الشخصية إلى محتوى قابل للاستهلاك، دون فواصل واضحة بين الفرح والفرجة.
في الأزمنة السابقة، كان العرس حدثًا عائليًا تحكمه دوائر القرب، وتضبطه أعراف مستقرة، يعرف فيها الجميع حدود الحضور، ويعرف فيها الفرح مكانه الطبيعي، غير أن هذه الحدود تراجعت مع صعود العالم الرقمي، ومعه تبدلت فكرة الخصوصية نفسها، فصار الفرح بثًا، وصار الاحتفال مساحة مفتوحة، وصار الحضور امتدادًا لجمهور يشعر بحق الاقتراب والمشاركة والدخول إلى المشهد.
كروان مشاكل، بوصفه صانع محتوى على منصة تيك توك، خرج من بيئة رقمية تعيد إنتاج الشهرة وفق منطق مختلف، منطق يرفع الجدل إلى الواجهة، ويكافئ الصخب، ويمنح المساحة الأوسع لما يلفت الانتباه أكثر مما يحمل قيمة.
هذه البيئة صنعت نموذجًا جديدًا للنجومية، نموذجًا يقوم على الحضور الدائم، وعلى تجاوز السقف، وعلى تحويل التفاصيل اليومية إلى مادة قابلة للتداول.
مع الإعلان عن الزفاف، خرج الحدث من دائرته الطبيعية، واتسع نطاقه، وتحول إلى موعد مفتوح، دون بطاقات دعوة تضبط الحضور، ودون قواعد تحكم المشهد، فاندفعت الجموع بدافع الاقتراب من صورة، ومن لحظة، ومن بث محتمل، وكأن العرس صار امتدادًا لمحتوى سابق، حلقة إضافية في سلسلة رقمية مستمرة.
في التاسع والعشرين من ديسمبر، داخل إحدى قاعات الأفراح بشبرا الخيمة، بدأت الصورة تتشكل بوضوح.
أعداد تتدفق، مساحات تضيق، حركة تتسارع، ومع كل دقيقة كان المشهد يبتعد عن طبيعته الأولى. القاعة التي أعدت لاحتضان مناسبة اجتماعية تحولت إلى ساحة اختبار لقدرة المجتمع على ضبط نفسه أمام الحشود الرقمية.
التدافع تجاوز كونه زحامًا عابرًا، واتخذ صورة ذوبان فردي داخل جماعة، جماعة فقدت الإحساس بالحدود، وتحركت بدافع واحد، الاقتراب من المركز، من العريس، من الصورة، من اللحظة القابلة للتوثيق. ومع هذا التدافع، تراجع النظام، وتراجع معه المعنى.
الأحداث اتجهت نحو مسار أكثر قسوة، حين جرى تسجيل وقائع تحرش وسط هذا التجمع المنفلت، في مشهد كشف عن هشاشة الضوابط الأخلاقية عند غياب التنظيم، وتحول الفرح إلى مساحة رخوة تسمح بانتهاك الجسد والخصوصية. في زاوية أخرى، اشتعلت سيارة مملوكة لشقيق العريس نتيجة عبث بألعاب نارية، فتحول العبث إلى خطر، والضجيج إلى تهديد مباشر.
هذه التفاصيل، التي بدت متفرقة، اجتمعت لتصنع صورة مكتملة لليلة خرجت عن السيطرة، ليلة حملت نتائج منطقية لمسار طويل، مسار بدأ من الشاشة، وتغذى بالتفاعل، ثم انتقل إلى الواقع بكل ثقله.
التدخل الأمني جاء لاحقًا لوضع حد لمشهد تجاوز التوقعات. جرى فض التجمعات، وضبط متورطين في التلفيات ووقائع التحرش. الإجراءات أعادت النظام إلى المكان، غير أن الأسئلة الأعمق ظلت حاضرة، أسئلة تتعلق بكيفية وصول المجتمع إلى لحظة يصبح فيها الفرح عبئًا أمنيًا.
القضية هنا تتجاوز أسماء الأشخاص، وتتجاوز تفاصيل التحقيقات، وتمتد إلى ثقافة كاملة أعادت تعريف النجاح والقدوة. ثقافة صنعت نجمًا من الجدل، ومنحت الصخب قيمة، وقدمت نموذجًا يرى في تجاوز الأعراف مهارة، وفي كسر الحدود إنجازًا، وفي الانتشار غاية نهائية.
هذا النموذج وجد جمهورًا مستعدًا لتلقيه، جمهورًا يعاني فراغًا ممتدًا، ويبحث عن حضور، ويجد في هذه النماذج تعويضًا عن غياب مسارات تقليدية للنجاح. هنا يبرز البعد الاجتماعي الأعمق، بعد يرتبط بتغير منظومة الطموح نفسها.
في خلفية المشهد، يظهر انقسام اجتماعي غير معلن، انقسام بين من يرى في هذه الظواهر علامة على تراجع الذوق العام، ومن يراها تعبيرًا عن واقع جديد يتيح فرص صعود خارج الأطر التقليدية. هذا الانقسام يتسلل إلى النقاشات اليومية، وإلى التعليقات، وإلى طريقة استقبال الحدث.
الإعلام الرقمي لعب دورًا محوريًا في تضخيم المشهد، عبر إعادة إنتاجه مرات متتالية، وتحويله إلى مادة للنقاش والغضب والسخرية، في دورة مستمرة من التفاعل. كل مقطع أعاد إشعال الجدل، وكل تعليق وسّع الدائرة، حتى صار الحدث أكبر من مكانه، وأوسع من زمنه.
الجمهور الرقمي، الذي اعتاد التفاعل من خلف الشاشات، وجد نفسه داخل المشهد دون مسافة أمان، فتحول التفاعل إلى اندفاع، وتحول القرب الافتراضي إلى اقتحام واقعي. هنا تظهر إحدى أخطر تحولات العصر الرقمي، تحوّل المتابع إلى مشارك دون استعداد كاف ودون إدراك للعواقب.
في هذه اللحظة، تتراجع الفردية، ويذوب الشخص داخل جماعة تتحرك بدافع واحد، وتفقد القدرة على التمييز بين ما يخصه وما يخص غيره. الفرح، الذي كان مساحة للبهجة، صار اختبارًا للحدود.
ما جرى في فرح كروان مشاكل يعيد فتح ملف أوسع، ملف القيم في زمن المنصات، ودور المؤسسات التي كانت تضبط الإيقاع الاجتماعي قبل تراجعها أمام سرعة العالم الرقمي. الأسرة، والمدرسة، والخطاب العام، جميعها تقف أمام تحد جديد، تحد يرتبط بإعادة بناء المعنى.
السؤال المطروح هنا لا يتجه نحو تحديد مخطئ بعينه، ولا نحو توزيع مسؤوليات مباشرة، وإنما يتجه نحو فهم المسار الذي قاد المجتمع إلى نقطة يصبح فيها الفرح عبئًا، والمناسبة اختبارًا، والشهرة عامل ضغط على الواقع.
يظل هذا المشهد علامة دالة على زمن يحتاج إلى تأمل هادئ، تأمل يعيد ترتيب الأولويات، ويعيد للفرح مكانته، وللخصوصية معناها، وللقيمة وزنها، قبل أن تتحول الحياة كلها إلى بث مفتوح، وضجيج مستمر، يترك أثره، ثم يمضي.