د. خالد بن محمد الصغير
حين يسبق الضوء الجوهر لم يعد خافيًا على أحدٍ أن عصرنا الراهن يشهد تحوّلًا عميقًا في منظومة القيم المرتبطة بالنجاح والتأثير. فقد غدا هاجسُ كثيرٍ منا المُنافسةَ على الريادة بدل صناعتها، والسعي إلى التأثير قبل امتلاك أدواته، والانشغال بالترويج أكثر من الإنتاج، وبالهالة أكثر من الإنجاز، وبالظهور أكثر من القيمة.
صار الضوء غايةً، لا نتيجة وثمرة، والصورة تسبق الجوهر، والصوت يعلو على الفعل، حتى غدا العالم مسرحًا يُعرض فيه كل شيء للعيان، فيما الجوهر يختفي خلف ستارٍ خفي. لسنا أمام ظاهرة فردية عابرة، بل أمام نمط ثقافي متكامل: ثقافة تُجيدُ الاحتفاء بمن يُحسن الحديث، لا بمن يُجيد العمل، وبمن يُتقن الظهور لا بمن يُتقن الصنعة. وقد نبّه مفكرو الإعلام منذ عقود إلى هذا التحوّل الجذري؛ إذ أشار مارشال ماكلوهان (Marshall McLuhan) إلى أن الوسيط الإعلامي ذاته يُعيد تشكيل وعينا بالعالم، في حين حذّر نيل بوستمان (Neil Postman) من مجتمع «يتسلى حتى الموت»، حيث تتحول المعرفة إلى عرض، والفكرة إلى مادة ترفيهية، والإنجاز إلى لقطة عابرة.
وما نشهده اليوم ليس إلاّ التجسيد العملي لتلك التحذيرات، وكأننا نسير على مسرح من الأضواء الكاذبة، نلهث خلف ظلٍ وهمي، تاركين الحقيقة وراءنا. ففي دراسة حديثة، تبيّن أن متوسط وقت تصفح وسائل التواصل الاجتماعي للفرد يتجاوز 2.5 ساعة يوميًا عالميًا، بينما لا تتجاوز نسبة المتابعين الذين يتحولون إلى صُنّاع تأثير فعلي 15 %، وهذا الفارق وحده كافٍ لاستخلاص النتيجة: الشهرة اليوم تسبق الجوهر، لكنها لا تستطيع أن تحل محله.
في الماضي القريب، كان الاعتراف الاجتماعي ثمرة مسار طويل من التعلّم، والخبرة، والإنتاج. أما اليوم، فقد غدا «الانتباه»، أو اقتصاد الانتباه (Attention Economy) عملةً قائمة بذاتها. عدد المتابعين، ومعدل المشاهدات، وسرعة الانتشار كلها مؤشرات باتت تُعامل بوصفها بدائل عن الكفاءة الحقيقية، وكأن القيم صارت تُقاس بالضوء وحده، لا بالمضمون. ليس الخطر في هذا التحوّل مقتصرًا على تغيير معايير النجاح فحسب، بل يتعداه إلى إعادة تشكيل طموحات الأجيال الجديدة. كثيرون يسعون لأن يكونوا «مؤثرين» قبل أن يكونوا متقنين. يريدون المكانة قبل الرحلة، والنتيجة قبل العملية. وهنا تتجلّى المفارقة المؤلمة: نحن نحتفي بالقشرة، ثم نتساءل عن فراغ المضمون، وكأننا نلهث خلف صدى صوتٍ، ويغفل الموسيقى الحقيقية التي تعزفها الأيدي الماهرة. فعلى سبيل المثال كشف تقرير نشرته منصة (LinkedIn) أن 60 % من صناع المحتوى الأكثر متابعة يفتقرون إلى مشاريع أو إنجازات ملموسة خارج الشبكة الاجتماعية، بينما 40 % من الخبراء الحقيقيين يتركون بصمة هادئة، لكنها مستدامة في مجالاتهم. إنها مفارقة العصر: من يملك الضوء لا يملك بالضرورة الجوهر، ومن يملك الجوهر لا يسعى خلف الضوء.
والريادة في جوهرها العميق ليست لقبًا، ولا منصة، ولا حسابًا نشطًا على وسائل التواصل. الريادة الحقيقية أن تواجه المشكلات الجوهرية، وبناء قيمة قابلة للاستمرار، وأن تتحمّل مسؤولية معرفية وأخلاقية تجاه المجتمع. لكن الذي نراه غالبًا هو النقيض: تُختزل الريادة في سرديات ملهمة، وشعارات جذابة، وعروض تقديمية مصقولة، بينما يغيب السؤال الجوهري: ماذا أُنجِز فعليًا؟
ليس كل من يتحدث عن التغيير صانع تغيير، وليس كل من يملأ الفضاء ضجيجًا صاحبَ أثر. فكم من متصدّر للمشهد يخلو حضوره من الأثر، وكم من متخفّ عن الأضواء يترك خلفه بصمات لا تُمحى. الريادة الحقيقية ليست ضجيجًا في الأفق، بل عمق صامت، وعمل متقن، وثمار ملموسة نتركها وراءنا، حتى وإن لم يُسلّط عليها الضوء الساطع للمشاهدة.
إن الفشل رغم قسوته يظل قابلاً للتعلّم، يحمل في طياته بذور النمو لمن يُحسن قراءته. أما الهالة الزائفة فهي أشد خطرًا؛ لأنها توهم صاحبها بأنه بلغ الغاية، بينما لم يخطُ أولى خطواته بعد. الهالة تُجمّد النمو، وتُغلق باب النقد، وتحوّل المسار من تطوير الذات إلى حماية الصورة. حين يصبح هَمُّ الفرد هو الحفاظ على الانطباع العام، يتراجع الاستثمار في التعلم العميق، وتخبو الرغبة في مراجعة الأخطاء، ويُستبدل العمل التراكمي بمحاولات مستميتة للبقاء في دائرة الضوء، وكأنّ الرحلة كلها صارت عرضًا متواصلاً، لا مسارًا حقيقيًا نحو الكفاءة والتميّز. وما أقسى أن يظن المرء أنه وصل، وهو لم يغادر بعد. في دراسة أجرتها (Harvard Business Review) كشفت أن القادة الذين يركزون على صورة النجاح بدلاً من المهارة الحقيقية أقل قدرة على التكيف مع التحديات بنسبة 30 % مقارنة بمن يركزون على التطوير الذاتي.
على أن التأثير المستدام لا يولد من الضجيج، بل من التراكم الهادئ؛ من ساعات القراءة غير المرئية، ومن المحاولات الفاشلة التي لا تُنشر، ومن المشاريع الصغيرة التي تُشيّد بصبر، ومن مهارة تُصقل يومًا بعد يوم. كل الشخصيات المؤثرة حقًا تشترك في سمة واحدة: أمضت زمنًا طويلًا في الظل قبل أن تظهر إلى النور. فالضوء لا يُلاحَق، ولا يُستجدى، بل يُشرق حين يمتلك المرء جوهرًا يستحق أن يُرى. وحينها فقط، يصير الحضور صدى طبيعيًا للجهد، لا هالةً مصطنعةً تذروها الرياح.
وهناك أسئلة لا بد منها، إذا أردنا كأفراد ومجتمعات أن نستعيد التوازن المفقود، فعلينا أن نواجه أنفسنا بأسئلة غير مريحة:
- ماذا أُنتج، لا ماذا أُعلن؟
- ما المهارة التي أعمّقها اليوم؟
- ما المشكلة الواقعية التي أعمل على حلها؟
- هل أبني معرفة.. أم أبني صورة؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية في زمن تتداخل فيه الشهرة بالقيمة، ويُمكن للضوء أن يسطع قبل أن يولد الجوهر، وللصورة أن تسبق المضمون.
ولسنا بحاجة إلى مزيد من الوجوه في الواجهة، بل إلى مزيد من العقول في الورش، والمختبرات، والفصول، وغرف التفكير. لسنا بحاجة إلى تضخيم الأصوات، بل إلى تعميق الأفكار. المجتمعات لا تتقدم بالضوء، بل بالعمل. ولا تُبنى بالهالة، بل بالكفاءة. ولا تنهض بالصورة، بل بالجوهر.
ومن أراد الريادة حقًا، فليبدأ من الداخل: بتعلّم صادق، وعمل متقن، وصبر طويل. أما الضوء فسيأتي وحده، حين يصبح ما في اليد يستحق أن يُرى. يمكن للقارئ أن يبدأ اليوم: بتخصيص 30 دقيقة لصقل مهارة جديدة، أو حل مشكلة واقعية في مجاله. فالضوء لا يُصنع بالبحث عنه، بل بالانشغال بما يستحق أن يُرى. حينها فقط، سيأتي الضوء، ليس طلبًا، بل استحقاقًا.