د.محمد بن عبدالرحمن البشر
ليس هناك خلاف في أن مكة المكرمة قبل بعثة رسول الهدى محمد بن عبدالله كانت ممراً للتجارة بين الجنوب الشمال، ولهذا فليس بغريب أن تستقي بشيء من ثقافات الشعوب التي تتعامل معها تجاريًا.
وسكان مكة وما حولها قبل الإسلام عبدوا أصناما متعددة، وهي قطع من الحجارة لا تغني عن الله شيئا، لكن مكة لم تخلُ ممن عرف الحنيفية ملة إبراهيم، وعرف النصرانية واعتنقها، أو اليهودية كذلك، وربما ذهب إلى أبعد من ذلك في التفكر والتدبر، وإذا ما آمنا أن ليس هناك ما يثبت أن أبناء نوح هم: سام، وحام، ويافث، وأن هذا كُتب في القرن الخامس أو السادس قبل الميلاد، لأسباب تمييزية كانت سائدة في تلك الأزمنة، دون نقش أو أثر علمي أو منطقي يجعلنا نعتقد بذلك مع فارق الزمن، فعلينا أن نتحرر من ذلك، ويمكننا القول إن القبائل وممالك المدن المنتشرة في الصحاري وعلى قمم الجبال في الشام والحجاز ترتوي ثقافتها من طبيعة بيئتها وإرثها التاريخي، وثقافة جيرانها، والقبائل التي عاشت في مكة وما حولها بلغتها العربية الشمالية، وهي لغة قريش، وترشح بعض الأبحاث انها لهجة من اللهجات الكنعانية التي يسميها اليونانيون الفينيقية والمنتشرة في الشام، مثل العبرية، والسريانية، والآرامية، والمعينية، وكل تلك الديار أصلها خليط من الحيثيين واليونان والكلدانيين وربما المصريون، لكن الكنعانيين هم الأكثر، ولغة مكة وحروفها ليست بعيدة عن ذلك.
كانت اللغة العربية لغة تخاطب، وكتابة، وأدب، وكان الشعراء إعلاميين متنقلين يحسب لهم الناس كل حساب، ويمكنهم الرفع من شأن قبيلة أو فرد، أو التقليل من قدرها أو قدره.
ولنا في قصة بنو أنف الناقة مثلاً وعبرة، ولا بأس من إيرادها باختصار، فقد كان بنو أنف الناقة قبيلة عربية كريمة، وقد سموا بهذا الاسم في الجاهلية لأن أحدهم ذبح جزوراً وفرقها على القوم فأتاه صبي له يطلب نصيبه فلم يجد سوى الرأس فادخل أصبعيه في أنفي الناقة وأخذ يجره إلى بيته، فرآه الناس وسموه أنف الناقة، فذهبت لقبًا، وبعد أن كبر وتزوج وأصبح له أولاد وأحفاد، وكثر عددهم، كانوا يتذمرون من هذا اللقب، وبعد أن جاء الإسلام، زارهم الحطيئة الشاعر المداح الهجاء المشهور، فأكرموه وبالغوا في إكرامه، فقال فيهم بيت من الشعر من قصيدة طويلة:
قَومٌ هُمُ الأَنفُ وَالأَذنابُ غَيرُهُمُ
وَمَن يُسَوّي بِأَنفِ الناقَةِ الذَنَبا
وانتشر البيت بين القبائل، وأخذ بنو أنف الناقة يفتخرون بلقبهم.
وينقل لنا ابن هشام في السيرة أن زيد بن عمرو بن نفيل كان على ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا، فلم يعبد الأصنام، وأيضاً لم يدخل اليهودية والنصرانية، رغم أنها معروفة لدى قبائل مكة والمدينة والحجاز واليمن، وكان زيد شيخًا كبيرًا يستند إلى الكعبة ويقول: يا معشر قريش والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على ملة إبراهيم غيري.
وبعد أن بعث الله محمد بن عبدالله رسولاً ونبيا للبشرية جمعاء اكتست مكة وما حولها ثم المدينة وما بعدها ثم معظم أصقاع العالم بلباس جديد وهو لباس الإسلام، دين التوحيد الخالص والمحبة والسلام وعمل الخير والعدل والصفح.