د. منى بنت علي الحمود
يحتفي العالم سنويا باليوم العالمي للأسرة، ويأتي هذا الاحتفاء كمناسبة دولية تؤكدها «اليونسكو» بوصف الأسرة حجر الأساس في بناء المجتمعات المستدامة، وأول بيئة يتشكل فيها الوعي، وتنمو عبرها القيم الثقافية والمعرفية لتنتقل بين الأجيال.
ويأتي هذا اليوم كغيره من الأيام العالمية لتثقيف المجتمعات ورفع وعيها تجاه القضايا الإنسانية والثقافية، من خلال إلقاء الضوء عليها ودعوة الدول الأعضاء والمجتمعات المحلية والعالمية لتحويل تلك المبادئ العالمية إلى سياسات وبرامج ومبادرات عملية.
وبحسب «اليونسكو» يأتي اليوم العالمي للأسرة لتعزيز السياسات الداعمة للأسرة، وحمايتها في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، وضمان بيئة آمنة وشاملة لجميع أشكال الأسر، دون إقصاء أو تمييز.
اليوم العالمي للأسرة ليست مجرد مناسبة للاحتفاء بالعلاقات، بل هو لحظة التأمل في المعنى العميق للأسرة، التي ليست مجرد رابطة اجتماعية أو وحدة بيولوجية فحسب، بل هي المساحة الأولى التي يتعلم فيه الفرد المعنى كتعلمه للغة، ويبدأ الوعي بالآخر كرسمه لحدود صورة الذات والهوية، الأسرة هي موطن القيمة الأول للحياة الفضلى؛ حيث يتعلم فيها الطفل القيم ويختبرها قبل أن يتحول كل هذا إلى أسئلة فلسفية كبرى.
ينطلق السؤال الأول وتبدأ الفكرة الأولى في الأسرة، عندما يصبح المنزل نسخة الطفل الأولى لعالم الوجود، وتتحول الأسرة من مجرد جدران إلى مساحة لسكن السؤال وتكوين الصورة الأولى للإنسان.
في هذا اليوم، نتذكر أن بناء الإنسان يبدأ من داخل الأسرة، وأن المجتمعات تعيد تعريف إنسانيتها من خلال الطريقة التي تنظر بها إلى الأسرة وتمنحها حق الاختلاف؛ فالاستثمار الحقيقي بحسب «اليونسكو» في دور الأسرة في تكوين مهارات الحوار، وقيم التسامح، واحترام التنوع، والقدرة على العيش المشترك، وأن الاستثمار في الأسرة هو استثمار في السلام، وفي الثقافة، وفي مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية.
من منظور اليونسكو، تمكّن الأيام الدولية المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية من العمل المشترك، وبناء شراكات عابرة للحدود من أجل أهداف إنسانية مشتركة. من هنا جاء دور أكاديمية فنسفة الثقافية للتدريب ومسؤوليتها المجتمعية بتقديم برنامجها غير الربحي «بيداغوجيات فنسفية»، بمناسبة اليوم العالمي للأسرة بتقديم ثلاث حلقات نوعية، شملت الحديث عن التاريخ الفلسفي للأسرة، وتعريف كل فيلسوف لمؤسسة الأسرة وفقا لمشروعه الفلسفي، وتقاطع العديد منهم في قواسم مشتركة حول أهمية الأسرة بشكل عام في تنشئة الطفل وتثقيفه بالفنون واللعب لتنمية خياله وقدراته الخلاقة، وإعداد عقله لكسب العلم، وتصميم نموذجه الأخلاقي، كـ»أفلاطون» و«أرسطو» و«فروبل» الذي كان له الفضل في اختراع رياض الأطفال، باعتبارها روضة ينمو بها الأطفال، الذين يلتحقون بها من بين سن الثالثة والسابعة.
و«ابن سينا» و«الغزالي» و»ابن خلدون» وغيرهم من فلاسفة الحداثة وما بعدها أيضا، والذين أكدوا على تعهد الأسرة بتنمية الطفل الأولى نموما متكاملا من جميع الجوانب بما فيها نموه النفسي والبدني والحركي، والذي رأى العديد من الفلاسفة تحقيقه من خلال اللعب والذي له أدوار متعددة إلى جانب بعث السرور والبهجة.
ولما كانت ألعاب اليوم غير ألعاب الأمس واحتلت الألعاب الإلكترونية موقعا مهما في حياة الطفل العالمي، هنا برزت الجدليات الفلسفية حول اللعب فأصبحت الألعاب «ليست مجرد لعبة» فبحسب ما ذكرته الدكتورة «زهية عتوتي» أستاذة الفلسفة من الجزائر وممثلة إدارة المعرفة في أكاديمية فنسفة الثقافية حول «ألعاب الفيديو أي دلالات للفهم»، والتي تراهن على فلسفة موجهة لهذه الألعاب، وترى بأن اللعب كمفهوم فلسفي هو فعالية حرة قوامها المتعة والاستكشاف؛ فاللعب منذ القدم، وظفه «سقراط» في منهجه التهكم والتوليد، كما صاغ «نيتشه» في الفلسفة المعاصرة مفهوم اللعب لتحقيق الذات، غير أن ما يميز الفهم الفلسفي لألعاب الفيديو مرتبط باندراجها ضمن شكل من التجربة الآلية التي تعتمد على مجموعة من الأجهزة الطرفية لتشغيلها، فبأي معني يمكننا عبر هذه الألعاب أن نتفلسف؟ فألعاب الفيديو تقع في مكان وسيط بين الإنسان والالة، فضلا عن أنها تعاش ولا توصف، فلا سبيل آخر لفهمها سوى لعبها. هذه الألعاب كانت ولا تزال موضوعا للجدل الفلسفى، بين رفضها في سياق نقد النزعة الاستهلاكية على غرار رواد مدرسة فرنكفوت و«جان بودريار»، «بيار بردورديو» و«غي ديبور» الذين أكدو أن الاستهلاك يمكن أن يكون صور تبعدنا عن الواقع، لاسيما أن هذه الالعاب منتجات صناعية وسلعة مثالية للرأسمالية المعاصرة.
وبين منظور مخالف، يعتقد فيه الفيلسوف «ماتيو تغيكلو»، أن هذه الالعاب منفذ اغتراب الإنسان المعاصر وأنها تعبر عن خطوط هروبه الخاصة، وأنها تلبي قابلية للتكرار المصوب عند اللاعب، من جهة ثانية تعد هذه الألعاب مختبرا لتوافق مع النظام الرقمي الذي أصبح يطبق فلسفة «التلعيب» في التسويق والتعليم والتكوين، لذلك تسمى هذه الالعاب بالفن العاشر بعد القصص المصورة والتلفزيون، كما أنها تعبر بامتياز عن ميتافيزيقا «ليبنتز» القائمة على الحساب ليغدو اللاعب نفسه «ليبنزيا» حين يدمج لايجاد التسلسل الأمثل، من منظور فينمومينولوجي، تغمرنا الألعاب في عالم متسارع الأحداث حين تشرك أجسادنا من خلال اللمس والنظر وتخلق وعيا قائما على ذلك، كما يمكن أن تكون الألعاب الفلسفية على غرار the talos principle وBioshock. وغيرها منفذ لإثارة قضايا فلسفية من قبيل الحرية والتميز والأخلاق والمسؤولية ووجود العالم ككل. كما يمكن أن توظف صوب بيداغوجية بصرية تعلي من قيم الحياة وتثبت إيماننا بهذا العالم عبر بعث الأساطير القديمة الملهمة للشعوب كافة فيكون اللعب بناء ومتعة، أكثر منه تفريغ لعدوانية القنص والمطاردة.
ولما كان الرسم هو رافعة أخرى للعب بفن كانت الأسرة أيضا حاضرة ضمن هذا السياق لتحويل بنية الأسرة من «عايلة.. على الجدران» إلى مساحات تنبض بالحياة والسؤال والدهشة بإعادة تموضع فلسفة رسوم الأطفال ودورها في إنشاء وتحريض الأسئلة الكبرى والتفكير الفلسفي، فالأسرة صورة جميلة عند الطفل حتى وإن كانت بعيدة عن التفاعل الحقيقي، فالجدران مساحة لالتقاء الأسرة بعيدا عن حدود الزمان والمكان كما يفعله الأطفال دائما، فعليها يكون الانكشاف على الذاكرة المشتركة، حينها تتحول العائلة إلى موضوع وقيمة فنية ومعرفية تؤطرها الأوراق والجدران.
وبحكم التقاء الفنون رغم تنوعها، وأيضا التقاء الأسرة رغم تنوع أفرادها، تعود لنا الأسرة مجددا في دورها نحو تشكيل أسرة متفلسفة من خلال فن الرواية. حيث يذكر الأديب الأردني «د. محمد حمادنه» أن للأسرة دورا في تنمية مهارات التفكير الفلسفي لدى فئة اليافعين من خلال الرواية الفلسفية، والتي هي نوع من فن الرواية بشكله وبنيته، ولكنها تختلف عن غيرها في اهتمامها بالسؤال أكثر من الحدث، وتقوم على التأملات والمعنى حيث تعيش شخصيات الرواية حوارات ذهنية قائمة على الصراع الفكري والقلق الوحودي أو الأخلاقي تتحول فيه الرواية إلى معرفة. وتمثل رواية «عالم صوفي» لمؤلفها «يوستين غاردر» نموذجا لمثل هذه الرواية الفلسفية المناسبة لليافعين، كمدخل فلسفي سردي.
وأخير، الحديث عن الفلسفة داخل الأسرة من المواضيع المهمة والتي قلما يتم طرقها، فالأسرة المتفلسفة ليست تلك التي لديها إجابة عن كل سؤال، أو التي تزخر بالمكتبات العامرة الممتلئة بكتب المنطق ونظريات المعرفة وسير الفلاسفة ومشاريعهم الفكرية، أو التي تناقش مقولات «نيتشه» على وجبة الغداء، وسرديات «كامو» في سرر أطفالها، إنها أسرة تسمح بالسؤال والحوار وتعزز الإرباك والشك وتسمح بإيقاظ الدهشة من خلال الفنون.
** **
- مؤسسة ومديرة أكاديمية فنسفة الثقافية للتدريب.