د. محمد بن عبدالله آل عمرو
أستأذن القارئ الكريم في كلمةٍ بين يدي هذا المقال؛ إذ كانت فكرة هذا الموضوع حاضرةً في ذهني قبل دخول شهر رمضان المبارك، وكنت أرتب أن يكون هو المقال الذي يُنشر استقبالًا لهذا الشهر العظيم، غير أن ظروفًا خاصة حالت دون إتمامه في وقته. ولما كانت الحاجة إلى ما فيه من تذكيرٍ وتوجيهٍ باقيةً ومتصلةً بروح الشهر ومقاصده، رأيت أن يأخذ مساره إلى الصحيفة، رجاء أن ينفع الله به كاتبه وقارئه، وأن يجعله من قبيل التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
مع كل إطلالةٍ لهلال رمضان، تتجه قلوب المسلمين بشوقٍ صادق إلى هذا الضيف الكريم؛ شهرٍ تتبدّل فيه الأحوال، وتصفو فيه الأرواح، وتسمو فيه المعاني. إنه ليس شهر جوعٍ وعطشٍ فحسب، بل هو مدرسة إيمانية كبرى، وموسمٌ لتزكية النفوس، ومراجعة الحسابات، وتصحيح المسارات.
لقد بيّن القرآن الكريم الغاية من الصيام بيانًا واضحًا، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
فالغاية العظمى هي تحقيق التقوى؛ أي أن يستشعر الإنسان رقابة الله في سره وعلنه، في أقواله وأفعاله، في خلوته وجلسته.
ومن هنا فإن الصيام الحقّ ليس إمساكًا عن الطعام والشراب وحدهما، بل هو إمساكٌ شامل عن كل ما حرّم الله. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري). فكم من صائمٍ حُرم الأجر؛ لأنه أمسك عن المباح وأطلق لسانه في الحرام! إن تناول أعراض الناس بالغيبة والنميمة، والكذب والزور، من أعظم ما يُذهب بركة الصيام، بل قد يحوّله إلى مشقةٍ لا ثمرة لها. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم – أو قال: على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟» (رواه الترمذي). فالصائم الحقيقي يحفظ لسانه كما يحفظ بطنه، ويصون كلمته كما يصون صيامه.
كما أن من صور الإمساك الواجب في رمضان -وفي غيره- الإمساك عن أكل المال الحرام، وأكل أموال اليتامى، والغش، والربا، وسائر صور الاعتداء على حقوق العباد. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10].
فلا يستقيم أن يجوع الإنسان نهارًا، ثم يملأ بطنه من حرام، أو يبني ماله على ظلمٍ وعدوان.
ورمضان شهر العدل والإنصاف، فلا مكان فيه لظلمٍ صغيرٍ أو كبير، ولا لاعتداءٍ ظاهرٍ أو خفي. يقول الله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، وجاء في الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا» (رواه مسلم). فالظلم في الوظيفة، أو في التجارة، أو في الأسرة، أو في أي مجال من مجالات الحياة، يتنافى مع روح الصيام ومقصده.
ومن أعظم ما ينبغي اجتنابه عقوق الوالدين وقطيعة الرحم. فقد عظّم الإسلام شأن الرحم، وجعل صلتها سببًا للبركة في العمر والرزق، وتوعّد قاطعها بالحرمان. وجاء في الحديث أن الرحم تعلّقت بعرش الرحمن فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الله: «ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟» (متفق عليه). فما أحوجنا في رمضان إلى صلةٍ بعد جفاء، واعتذارٍ بعد تقصير، وتسامحٍ يطوي صفحات الماضي.
إن رمضان فرصة سنوية لإعادة بناء الضمير، وتجديد العهد مع الله، ومحاسبة النفس قبل أن تُحاسب. هو موسم التوبة النصوح، والإقبال على القرآن، والإكثار من الصدقات، وإغاثة المحتاجين، وكفّ الأذى عن الناس. صيامٌ يزكّي المال، ويهذّب السلوك، ويُصلح المعاملة، ويُنقي القلب من أدرانه.
فلنحرص أن يكون صيامنا إمساكًا تامًا عن كل معصية، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وخفيها. ولنستقبل الشهر بقلبٍ حاضر، وعزمٍ صادق، وعهدٍ متجدد مع الله تعالى. فإنما يُقبل من الصيام ما أورث تقوى، وأثمر استقامة، وترك أثرًا في حياة صاحبه بعد انقضاء الشهر.
نسأل الله أن يتقبل من المسلمين صيامهم وقيامهم، وأن يجعل رمضان بداية خيرٍ وإصلاحٍ لأنفسنا وأحوالنا، وأن يعيننا فيه على حفظ الجوارح، وصيانة اللسان، وإقامة العدل، وصلة الأرحام، إنه ولي ذلك والقادر عليه.