د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
تحدث سيبويه (180هـ) في غير موضع من كتابه عن الفعل (عسى) مبينًا أحواله التركيبية، ولكنه لم يصرح بدلالته على المقاربة(1)، بل قرن دلالته بالحرف (لعلَّ) في قوله «و(لَعَلَّ وعَسَى): طمعٌ وإشفاقٌ»(2)، ولكن من خلفوه كالمبرد (285هـ) صرّحوا بدلالته على المقاربة، قال «فَمن تِلْكَ الْأَفْعَال (عَسى) وهي لمقاربة الْفِعْل، وَقد تكون إِيجَابًا...اعْلَم (أَنَّه) لَا بُدَّ لَهَا من فَاعل(3)؛ لِأَنَّهُ لَا يكون فعل إِلَّا وَله فَاعل وخبرها مصدر؛ لِأَنَّهَا لمقاربته والمصدر اسْم الْفِعْل، وَذَلِكَ قَوْلك: عَسى زيد أَن ينْطَلقَ، وعسيت أَن أقومَ، أي: دَنَوْت من ذَلِك، وقاربته بِالنِّيَّةِ و(أَن أقوم) في معنى الْقيام»(4).
ويفهم من قول المبرد أنّ جملة (عسى) جملة خبريّة وهي تدل على مقاربة الفعل أي مقاربة اسمها من إنجاز الفعل، والفعل لَمّا ينجز.
ونجد أكثر النحويين أثبتوا لها دلالة المقاربة، منهم ثعلب(293هـ)، والزجاجي(337هـ)، وابن جني(392هـ)، والزمخشري (538هـ) والأنباري(577هـ (5).
ومنهم من قرن دلالتها على المقاربة بدلالتها على الرجاء كالجزولي (607هـ)، قال «عسى: لمقاربة الفعل في الرجاء، وكرَب وكاد: لمقاربة ذات الفعل، وجعَلَ وأخواتها للدخول فيه»(6)، وكذلك ابن يعيش (643هـ)، قال «فمن ذلك «(عَسى)، وهو فعل غير متصرّف، ومعناه المقاربة على سبيل الترجّي. قال سيبويه: معناه الطمَع والإشفاق، أي: طمعٌ فيما يستقبل، وإشفاقُ أن لا يكون»(7). والطمع والإشفاق معنيان مجتمعان. وابن الحاجب (646هـ)، قال «أفعال المقاربة: ما وُضع لدُنُوِّ الخبر رجاءً أو حصُولًا، أو أخذًا فيه»(8).
وجعل السكّاكي (626هـ) دلالتها على الرجاء علة لاستعمال (أن) المصدرية الاستقبالية معها، قال «ولما كان عسى لمقاربة الأمر على سبيل الرجاء، وكاد لمقاربته على سبيل الحصول، لا جرم، جعلنا ثبوت (أنْ) أصلًا مع عسى ولا ثبوتها مع كاد»(9).
وجعل ابن الخباز (639هـ) دلالة (عسى) علّة لجمودها، قال «وإنما لم تتصرف، لأنها أشبهت لعل حيث كان معناها الطمع والرجاء»(10).
ومنهم من لم يقرن معناها بالمقاربة كابن الخشاب (567هـ) في شرحه لجمل الزجاجي إذ قال «فأما عسى فمعناها الطمع والإشفاق، كما أن معنى (لعل) ذلك»(11)، وهذا نص سيبويه الذي ورد في صدر المسألة.
وعلى الرغم من إحساس كثير من النحويين اختلاف (عسى) عن المقاربة لم يصرحوا في الغالب بهذا الاختلاف لأثر رعاية العامل؛ فهي في تصنيفهم مطابقة لأفعال المقاربة في عملها، فهي فعل ناقص يرفع الاسم وينصب الخبر، ولكن نجد من صرح باختلافها وإن حاول الاعتذار لعدّها من جملة أفعال المقاربة، وهو ابن عصفور (669هـ) قال «وليست (عسى) كذلك، لأنها فيها تراخيًا، ألا ترى أنك تقول: عسى زيدٌ أن يحجَّ العامَ الآتي، وإنما عدّت في أفعال المقاربة مع ما فيها من التراخي، من جهة أنها تدخل على الفعل المرجُوّ، والفعل المرجُوّ قريب بالنظر إلى ما ليس بمرجُوّ»(12).
ونجد الجزم بمفارقتها دلالة المقاربة عند الرضيّ (686ه) قال «الذي أرى، أن (عَسَى)، لَيْسَ من أفعال المقاربة، إذ هو طَمَعٌ في حَقِّ غيره تعالى، وإنما يكون الطمع فيما ليس الطامع على وثوق من حصوله، فكيف يحكم بدنوّ ما لا يوثق بحصوله، ولا يجوز أن يقال: إن معناه رجاء دنوّ الخبر، كما هو مفهوم من كلام الجُزُولي، والمُصَنِّف [ابن الحاجب]، أي إنَّ الطامع يطمع في دُنُوّ مضمون خبره، كقوله: عسى اللهُ أن يشفيَ مريضي، أي: إني أرجو قُرْبَ شفائه، وذلك لأن (عسى)، ليس متعيّنًا بالوضع للطمع في دُنُوّ مضمون خبره بل لطمع حصول مضمونه مطلقًا، سواء ترجى حصوله عن قريب أو بعيد مدة مديدة، تقول: عسى اللهُ أن يُدخلَني الجنة، وعسى النبيُّ عليه السلام أن يَشْفَعَ لي، فإذا قلت: عسى زيدٌ أن يخرجَ، فهو بمعنى لعله يخرج، ولا دُنُوَّ فِي (لَعَلَّ) اتفاقًا»(13).
وبمثل ذلك جزم خطّاب الماردي، قال أبوحيان (745هـ) «وقال خطّاب: (عسى) بعيدة عن المقاربة، ومعناها الترجّي للفعل، واستدناء وقوعه»(14).
يمكن القول إذن إنَّ (عسى) ليست للمقاربة، وجملتها جملة إنشائية، فمن قال (عسى زيدٌ أن يخرجَ) لا تقول له: صدقت ولا كذبت، بخلاف قوله (كاد زيد يخرج أو أوشك زيد أن يخرجَ)، إذ لك أن تقول: صدقت، أو: كذبت.
وتوقف أبوحيان في مسألة إنشائية (عسى)، فعند قوله تعالى {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} [246-البقرة] ذكر أنّ المشهور فيها أنها إنشائية مثل (لعلّ)، ولكن دخول (هل) على جملها وكذلك (إنَّ) يدل على خبريتها(15)، واعترضه السمين الحلبي (756هـ) معتمدًا على قول للزمخشري (538هـ) فيه أنها حملت على المعنى، ووصف قوله فقال «وهذا من أَحسنِ الكلامِ، وأحسنُ مِنْ قول مَنْ زعم أنَّها خب رٌ لا إنشاءٌ، مُسْتَدِلًا بدخولِ الاستفهام عليها، وبوقوعِها خبرًا لـ(إنَّ)»(16).
ولأنها في هذه الآية والآية الأخرى [22: محمد] محمولة على المعنى فسر بعضهم (عسيتم) بلعلكم(17).
ولعله يحسن القول إن (عسى) خرجت من إنشائيتها إلى الإخبار في هذه السياقات الخاصة فصار المعنى (هل رجوتم أو هل أشفقتم)، وكذلك في قول الشاعر (إنّي عسيتُ صائمًا)، ولكنها إنشائية في جمهرة استعمالها فليست للمقاربة.
وما زال استعمالها إنشائية متصلًا في لغاتنا المحكية إلى اليوم.
**__**__**__**__**__**
(1) انظر الكتاب لسيبويه، 1/ 51، 159، 3/11، 12، 19، 157، 158، 159، 160، 4/ 139.
(2) الكتاب لسيبويه، 4/233.
(3)يقصد بالفاعل الاسم وكذلك استعمله سيبويه من قبل.
(4)?المقتضب للمبرد، 3/ 68- 69.
(5) انظر: مجالس ثعلب، القسم الأول، ص 307. الجمل في النحو للزجاجي، ص200. اللمع في العربية لابن جني، ص144. المفصل في صنعة الإعراب للزمخشري، ص357 . أسرار العربية للأنباري، ص108.
(6) المقدمة الجزولية في النحو للجزولي، ص203.
(7) شرح المفصل لابن يعيش، 4/ 372.
(8) الكافية في النحو لابن الحاجب، ص 48.
(9) مفتاح العلوم للسكاكي، ص95.
(10) توجيه اللمع لابن الخباز، ص394.
(11) المرتجل في شرح الجمل لابن الخشاب، ص128.
(12) ضرائر الشعر لابن عصفور، ص154.
(13) شرح الرضي لكافية ابن الحاجب، بتحقيق: يحيى بشير مصري، ط1، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية/ الرياض، 1917هـ/ 1996م، القسم الثاني المجلد الأول ص1065.
(14) ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسي، 3/ 1223.
(15) انظر: البحر المحيط في التفسير لأبي حيان، 2/ 571. والتذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل لأبي حيان، 3/ 9.
(16) الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي، 2/ 517.
(17)انظر: لطائف الإشارات للقشيري، 3/ 412. التفسير الوسيط للواحدي، 4/ 126.