أ.د.عبد الله بن سليم الرشيد
في قصة يوسفَ عليه السلامُ عبَرٌ شتى، ومنها تُستنبَطُ عِظاتٌ، ويُستروَحُ بها في الاستمساك بالفأل، وتغليبِ الرجاء، والثقةِ بما عند الله.
نقل بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ. لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ) أنه لما فصلت العِيرُ من مصرَ استروَح يعقوبُ ريحَ يوسفَ من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ، وكان فارَقَه سبعًا وسبعين سنة!
أيُّ بلاءٍ نزلَ بشيخ فقَدَ أحبَّ أبنائه إليه، وظلّ يترقّب رجوعَه، ولم يخالجْه الشكُّ في رحمة الله، ولم يتلبّسْه القنوطُ سبعًا وسبعين سنة! شيخٍ ابيضّت عيناه حزنًا وكمدًا، ورُزِئ بابنٍ ثانٍ وهو يترقّبُ عودةَ الأول! (وَتَوَلَّى عَنهُم وَقَالَ يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَبيَضَّت عَينَاهُ مِنَ الحُزنِ فَهُوَ كَظِيم (84) قَالُواْ تَاللَّهِ تَفتَؤُاْ تَذكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَو تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشكُواْ بَثِّي وَحُزنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ (86) يَابَنِيَّ اذهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَياْسُواْ مِن رَّوحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَياْسُ مِن رَّوحِ اللَّهِ إِلَّا القَومُ الكَافرُونَ (87).
(لَا تَاْيَسُواْ مِن رَّوحِ اللَّهِ) هي اليقينُ الثابت، و(إِنّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) هي وميضُ الفرح، وارتعاشةُ الفُجاءةِ السعيدة، والبشارةُ التي طال ترقُّبُها، إنها تعني إيراقَ الأمل، وإزهارَ الرجاء، وتومئُ إلى أن المطلوبَ آتٍ، وأن المرجوَّ متحقق، ما كان العبدُ متصلًا بربِّه، موقنًا برحمتِه.
(إني لأجدُ ريحَ يوسف) توشكُ أن تكونَ قانونًا لمن آمنَ بسعةِ رحمةِ الله، وأيقنَ بلُطفِه الخفيّ، ولم تستعبدْه الظنون، ولم تسوَدَّ في عينِه آفاقُ الحياة.
والتعلقُ بالولد فطرةٌ يجدُ الوالدُ حسيسَها في نفسِه، جاء في الأخبار أن كلاب بن أمية بن الأسكر غزا في زمن عمر، رضي الله عنه، وطال غيابُه عن أبويه، وهما هِمّان فانيان، فأنشأ أبوه يقول:
تركتَ أباك مُرعَشَةً يداه
وأمَّك ما تُسِيغُ لها شرابا
طويلًا شوقُه يبكيك فردًا
على حزنٍ ولا يرجو الإيابا
فإنك والتماسَ الأجرِ بعدي
كباغي الماءِ يتّبِعُ السرابا
وفي تفصيل الخبر أن عمر أعاد كلابًا، وكان أبوه قال: «أشتهي أن أرى كلابًا فأشَمَّه شَمّة، وأضُمَّه ضَمّة»، وهذه جملٌ يدركُ عمقَ دلالاتها كلُّ أب وأم. وذلك يقفُنا على مقدار البلاء الذي ابتُلي به من غاب عنه ولدُه، كيعقوب عليه السلام.
ذلك شعورٌ ثاوٍ في النفوس من حبِّ الولد والتعلق به، وشدّة الفجيعة به، حتى عند الحيوان، جاء في حديثٍ غايةٍ في الرفق بالحيوان، أنهم كانوا في سفر، فوجدوا حُمّرةً (وهي طير)، فأخذوا فرخيها، فجاءت الحُمّرة فجعلَتْ تفرش جناحيها وترفرفُ بهما، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «من فَجَعَ هذه بولدها؟ ردّوا ولدَها إليها».
حُدّثتُ أنه في بعض السنين التي مرّت بنجدٍ في مستهَلِّ القرنِ الرابعَ عشرَ خرج فتًى في الثامنةَ عشْرةَ من عمره يُقال له (راشد) تاركًا أباه الشابَّ وأمّه الشابّة، يرعيان بطونًا كثيرة طاوية، وأفواهًا جائعة، قاصدًا الحجازَ؛ طلبًا للرزق، بعد فشُوِّ الجدبِ، وتوالي السنين، وشظَفِ العيش، ثم غابت أخباره عن أهله، وظلّ الوالدان يترقّبان، ويستخبران ولا مُخبِر!
ومن يسألِ الركبانَ عن كلِّ غائبٍ
فلا بدّ أن يلقى بشيرًا وناعيا
وكان أبوه كلما حال الحولُ وعاد الحاجُّ، وقف في طريقهم متلهّفًا إلى خبرٍ يبلُّ لهاتَه عن فِلْذةِ كبِدِه، فكانت العيونُ تنطقُ بالخيبة، والكلامُ النزْرُ يؤذِنُ بأنْ لا خبرَ عن الغائب.
حتى إذا مرّت سنونَ طوالٌ أيِسوا منه، وظنّوا بمصيره الظنون، وقدّروا أنه غاب غيبتَه الأخيرة. وكاد من أدركه من إخوته ينساه، وأما الناسُ فما عاد له ذكرٌ في أفواههم، ولا خطر له طيفٌ في خيالهم.
قال الراوي: أما الأمُّ والأبُ فبَقَيا متمسّكَين بخيطٍ من الأمل دقيق، وحبلٍ من الرجاء يمدّانِه إلى السماء، حتى قيل: إن الأمَّ كانت تعتادُ سطحَ بيتها الطيني سنواتٍ طوالًا، فتصلي في الليل ما شاء الله، فكانت جارتُها تسمعُها وهي تناجي ربَّها في جوف الليل الساجي: (يا ألله إنك تجي براشد).
وبعد نحو ثلاثين سنة، طرقهم طارقٌ في العتَمةِ، ففزع الأبُ إلى سراجٍ فأوقده، وانتهض معه أحدُ أبنائه، وهيّأ عجراءَ من سلَم، ليباغتَ بها الطارقَ إن كان ذا شرّ، ونادى مِن خلفِ الباب الخشبي: (مَن عنده؟) فأجاب الطارق بصوت يشوبُه البكاء: (راشد... راشد).
استيقظ كلُّ نائم في ذلك البيت الطيني الصغير، وأُوقدت سائرُ السرُج، وتنادى الإخوةُ والأخوات والتمّ الشملُ بالقادم الحبيب الغائب، وبين خشية أن يكونَ الواقعُ حُلُمًا، وأن يصير ماءُ الفرحِ سرابًا كانت الأمُّ تحضنُ ولدَها الكهلَ وتشَمّ أعطافَه، وتنطق الكلمةَ فتتعثّر بنشيجِها، فتومئ إيماءً والبهجةُ تطفحُ في عينيها، ثم تصعدُ إلى الطايَة (وهي السطح في اللهجة النجدية) فتنادي جارتَها ذاهلةً ذهولَ السعادة عن أنهم صاروا في الغَلَس وأن الجيرانَ نيام: (يا فلانة، راشد حيّ، راشد رجع). كانت تحبُّ أن يفرَحَ لها الناس، فالاشتراكُ في الفرَح يضاعفه:
فلا تتعجّبوا من فيضِ روحي
فقيمةُ فرحتي أن تفرحوا لي
كانت الأمُّ المفجوعةُ تجدُ ريحَ (يوسفِها) كلما صعدت إلى السطح، وتجدُ ريحَه وهي ترسلُ دعاءَها في جوف الليل.
فاستنشِقْ ريحَ يوسفك، فسوف يصحبُك اليقينُ، ويسعفُك الرجاء، وتُحطُّ أحمالُ السعادةِ بين يديك، وينبجسُ ماء الأملِ ثرًّا دافقًا، وسوف تشعرُ بما شعر به يعقوبُ عليه السلام (فَلَمَّا أَن جَاءَ البَشِيرُ أَلقَاهُ عَلَى وَجهِهِ فَارتَدَّ بَصِيرا).
وحدّثني مَنْ تطوّعَ لإرشاد الحجاج، أنه في بعض المواسم منذ نحو أربعين سنة قبل استعمال الجوالات، وتيسّر الاتصالات، كان في منًى، فاستغاث به وبمن معه من المتطوعين حاجٌّ، دخل عليهم فزِعًا مستطارَ القلب، وصاح بهم: (أمي امرأة كبيرة، فقدناها منذ ساعات، وبحثنا عنها بلا جدوى)، فسكّنوا من رَوعِه، وسقوه ماءً -وكانوا في جمرةِ القيظ- ولكنّ الرجلَ هائمٌ لا يكاد يعي، فألطفوا له القولَ، ووعدوه الخيرَ.
قال الراوي: فخرجتُ به، ومشينا بين الخِيَم على غير هُدًى، وصرتُ أطالع الناس لعلي أرى امرأة صفاتُها على ما قال ابنُها، وأنّى لي أن أجدَها والزحامُ شديد، والخِيَم متشابهة، وأشباحُ الناس سواء؟ وكان ابنُها ساهمَ القلب مروّعًا يمشي ويخبطُ، وينظرُ ذاتَ اليمين وذات الشِّمال، لا يكاد يستقرُّ طرْفُه في مكان، وهو يتمتمُ بصوت مسموع (يا ربّ، أمي أمي).
قال: ومضت ساعاتٌ ونحن على هذه الحال، حتى كاد اليأسُ يأكلُنا، وبينا نحن نمشي ونغالبُ القنوطَ، والشابُّ أمامي إذْ عثَر بامرأة مادّةٍ ساقيْها مستندةٍ إلى رِواقِ خيمة، وكانت ساهمةً واجمةً غافلة، فما كان منها -وقد أوجعَها العاثرُ بها - إلا أن صبّت عليه لعناتِها وشتمتْه بأشدّ ما يكون الشِّتام، قال: فأردتُ أن أحضّ الشابَّ على المُضِيّ وألا يلتفتَ إلى السِّباب والجدال، ولكني رأيت في وجهه علامات انبساط وفرح، ثم صاح: (أمي، هذي أمي)!
أفرأيتَ أعجبَ من تلك الحال؟ كان يبحثُ عن أمِّه في زحام كَظِيظ، فعثرت رجلُه برجلها، فكانت لعناتُها وسبابُها في أذنيه (أحلى من ميراثِ العمّة الرَّقوب)، وكانت عثرتُه بها أحبَّ إليها من الدنيا وما فيها! كانت تلك الأمُّ تجدُ ريحَ يوسف، وكان ولدُها ضريرًا بفزعِه فارتدَّ بصيرًا.
فهلمَّ أيها الغارقُ في همِّه، استنشِقْ ريحَ يوسفِك، وانتظر قميصَ فرَجِك، وتذكّرْ أن ربَّك لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ. وكن (يعقوبَ) الصبرِ والرضا والأملِ والفألِ الحسن، تجدْ (يوسفَ) الطمأنينةِ وقُرورِ العين.
إذا تضَايقَ أمرٌ فانتظرْ فرَجًا
فأصعبُ الأمرِ أدناهُ من الفرَجِ