د.عبدالإله آل سودا
يشهد الخطاب العربي المعاصر توسعًا ملحوظًا في استعمال مصطلح «السردية»، حتى غدا من أكثر الألفاظ حضورًا في الخطاب الإعلامي والتداول اليومي العام. وهو شيوع قد تكتنفه بعض المسوغات؛ نظرًا إلى مفهوم التطور الدلالي للكلمات في اللغة العربية. إلا أننا أمام كلمة «سردية» نشهد قفزةً دلالية نحو السَّلْب لا نحو التطور؛ إذ هي قفزةٌ من الوضوح والتمايز إلى الضبابية والسَيَلان! فالمعنى المستقر المُكتنز لـ«السردية» كما عند جان فرانسوا ليوتار، أو كما في النقد الأدبي، استحالَ إلى دلالة مُبسَّطَة تشير إلى الرواية التحليلية للخبر أو الواقعة، وكأننا أمام تقرير صحفي مطول يناقش قضيةً ما، ويكرر نفسه بأساليب مختلفة بُغية الإقناع بوجهة نظر معينة. فهذه هي الدلالة الجديدة التي اكتسبها لفظ «السردية»، وكان حَقُّ هذه الدلالة أن يُعبّر عنها بلفظ الرواية أو الخبر، أو يُقال: هذا الرأي لفلان وليس هذه السردية لفلان. أو رواية فلان وليس سردية فلان. ولكن بعض الكُتّاب لم تُقنعهم هاتان الكلمتان: (1-الرأي، 2-الرواية/الخبر/الخطاب)، فاختاروا لفظ السردية؛ لِما يَدل عليه من التتابع؛ فكأن مَن يَنسبون إليه فِعلَ السردية، كما في قولهم: السردية العلمية تتجه إلى تأكيد هذا الأمر، لم يَكتفِ بمجرد الرواية لتأكيد هذا لأمر، بل تابع الرواية خلف الرواية، والخبرَ وراءَ الخبر؛ ليُقنع المتلقي. ومن هنا جاز لهؤلاء الكُتّاب استعمال «سردية» لهذا المعنى، في حين أنه لا يوجَد سَردٌ بالمعنى النقدي الأدبي، ولا بمعنى إيراد قصة حقيقية بوقائعها، ولا حتى بالمعنى الليوتاري. وهو في رأيي انزياحٌ يفقد المصطلح حدَّه المفاهيمي، ويتحول من أداة تفكيك إلى زينة خطابية تمنح القول مسحة من العمق لا يَستحقها، دون أن تضيف إلى بنيته المعرفية قيمة حقيقية.
وينكشف للمطّلع مقدارُ هذا الانزياح عند العودة إلى المعنى المعجمي. فالسرد في العربية يدل على التتابع والاتصال والإحكام، أي تنظيم القول في نسق متماسك تتساند أجزاؤه. ومن هذا المعنى نشأ المفهوم الاصطلاحي في النقد الأدبي الذي يشير إلى بناء تفسيري يُرتّب الوقائع داخل قصة ذات معنى، عبر الانتقاء والترتيب السببي أو الغائي، بحيث تُفهم الأحداث ضمن إطار يفسرها ويمنحها دلالة. إنها ليست نقلًا للواقعة، وإنما إعادة تنظيمها داخل بنية حكائية تنتج معنى يتجاوز الحدث نفسه. يُضاف إلى ذلك بأن السردية عُرِفَتْ بأنها العلم الذي يُعنى بمظاهر الخطاب السردي أسلوبا وبناء ودلالة، كما عند تودوروف.
ثم اتخذ المصطلح بُعدًا فلسفيًا أعمق مع جان فرانسوا ليوتار الذي أعاد تعريف «السرديات الكبرى» بوصفها الأطر الشمولية التي منحت الحداثة شرعيتها: التقدم، التحرر، العقل العلمي. لم يكن اهتمامه منصبًا على صدق هذه السرديات بقدر ما كان على سلطتها: كيف تشرعن المعرفة؟ ومن تُقصي؟ وبأي حق تدّعي التفسير الكلي؟ وهنا يبرز الفرق الحاسم بين «الصدق» بوصفه مطابقة خبر، و«الشرعنة» بوصفها آلية إنتاج معايير الصدق. ويتقاطع هذا مع تصور بول ريكور الذي رأى أن الإنسان يفهم ذاته والعالم عبر السرد، بوصفه نمطًا لتنظيم التجربة.
غير أن المصطلح حين انتقل إلى تحليل الخطاب السياسي والإعلامي اكتسب وظيفة عملية جديدة؛ إذ صار يدل على الطريقة التي تُنظَّم بها الوقائع (الحقيقية) أو (ما يُدّعى أنها حقيقية) داخل قصة تخدم تفسيرًا أو موقفًا؛ فالـواقعةُ أو الخبر لا يُعرض عرضًا محايدًا على الأغلب، وإنما يُعاد ترتيبه داخل حبكة:
بداية تُستحضر، عقدة تُؤطَّر، أطراف يُوزَّعون أخلاقيًا، ومآل يُقدَّم بوصفه نتيجة منطقية.
هذا ما يمكن تسميته «الإطار التبئيري السردي»، حيث يجتمع التبئير (اختيار زاوية النظر) مع السرد (صياغة الوقائع في قصة).
وقد بَدَتْ لي ثلاث مغالطات لاستعمال لفظ «سردية/السردية» في الفضاء العام، وهي مغالطات أسهمت في تفريغ اللفظ من محتواه التحليلي، بل واختطافه من دلالته المستقرة، وإرباك المتلقي بدلالاتٍ عائمة رِخوة!
أولى هذه المغالطات استعمال «السردية» مرادفًا للخبر أو الإفادة. فيُقال مثلًا: «سردية شهود العيان تؤكد وقوع الحادث في الساعة العاشرة». هنا لا وجود لسردية بالمعنى التحليلي؛ فالكلام لا يتجاوز شهادة زمنية تقريرية. السردية تبدأ حين يُوضع الحادث في سياق تفسيري: لماذا وقع؟ ما دلالته؟ ما موقعه داخل قصة أوسع؟ اختيار «السردية» بـدلاً من «الشهادة» لا يضيف معرفة، وإنما يضخم العبارة لفظيًا ويمنحها وجاهة اصطلاحية زائفة.
المغالطة الثانية تحويل «السردية» إلى مرادف للرأي الشخصي. فيُقال: «لا أتفق مع سرديتك حول جودة هذا الكتاب». هنا يجري رفع حكم ذوقي انطباعي إلى مصاف بناء تفسيري جمعي. الرأي حكم فردي، أما السردية فهي منظومة رمزية حبكية تشكل وعيًا أو تفسيرًا متكاملًا. هذا الخلط يعكس رغبة في منح الانطباع الذاتي ثقلًا نظريًا لا يملكه.
أما المغالطة الثالثة فتتمثل في استعمال المصطلح ستارًا للدعاية. حين توصَفُ الخطابات الإعلامية الصادرة عن جهات معينة بـ «سردية/السردية»، كقول بعضهم: «السردية العلمية/العلموية تتبنى نظرية التطور»، فهنا جرى استعمال لفظ «السردية» بدلاً من «بروباغندا» بهدف الإيحاء للمتلقي بالبناء الفكري. في حين أن ما يُدعَى بـ»سردية» إنما هي الدعاية تعتمد على التكرار والتلقين والشحن العاطفي. أما السردية، في معناها العميق، فتعتمد على الشرعنة وبناء المنطق الداخلي. فاستعمال المصطلح هنا لا يصف الظاهرة بدقة، وإنما يخفف حكمها الأخلاقي، ويحوّل التضليل إلى «تعدد في الروايات».
وهذا التحول يفسر أيضًا الهجرة التداولية من لفظ «دعاية» إلى «سردية». فالأول يحمل شبهة التضليل، أما الثاني فيمنح الخطاب ثِـقَلاً تحليليًا. ومع تكرار هذا الاستعمال يتكوّن ما يمكن تسميته «المعالجة الدرامية للواقع»، حيث يُعاد تشكيل الأحداث داخل بناء قصصي مشحون: ضحية وجانٍ، مأساة وخلاص. فيتحول الخبر إلى قصة، ويتحول التلقي من تحليل عقلاني إلى انخراط وجداني.
وفي رأيي أن من سلبيات هذا الاتساع في استعمال لفظ «سردية» أنه يُفضي إلى كسل نقدي؛ فبدل تحليل الوقائع ومصادرها وانتقائها، يكتفي المتلقي بتصنيف الخطابات «سرديات متصارعة»، وكأن الحقيقة فقدت مرجعيتها. وهنا يفقد المصطلح وظيفته التحليلية، ويتحول إلى ستار لغوي يحجب الفحص.
إن ضبط استعمال «السردية» ضرورة معرفية؛ فليس كل خبر سردية، ولا كل رأي إطارًا تفسيريًا، ولا كل خطاب دعائي بناءً سرديًا. السردية، بمعناها التحليلي، هي التي تنظّم الوقائع داخل قصة تفسيرية قائمة على الانتقاء والترتيب وإنتاج المعنى والشرعنة. وما عدا ذلك يبقى خبرًا أو رأيًا أو دعاية، مهما اكتسى من الألفاظ الرنانة.
وعند هذا الحد يستعيد المصطلح قدرته الأصلية بوصفه أداةً لكشف كيف تُبنى المعاني وتُنتج الشرعيات، لا مجرد حلية لغوية تُعلّق في عنق الخطاب فتمنحه وجاهة لا يستحقها، أو معنىً لا يَحتمله، أو تُجَمّل ما فيه من قُبح، أو تُكمِلُ ما يَحتوشه مِنْ نقص.