د.عوض بن إبراهيم ابن عقل العنزي
يقف الباحث المعاصر على حافة هوة زمنية عميقة؛ فهو من جهةٍ مثقل بتراثٍ فكري يطالبه بالتعمق والتأصيل، ومن جهة أخرى محاصر بآلة أكاديمية ضخمة تقيس قيمته بعدد ما ينتج لا بما يُبدع، وهنا نجد أنّ الزمن البحثي قد تحول من رفيقٍ صبورٍ في رحلة الاستكشاف إلى سيفٍ مسلط على رقبة الفكرة، يقطعها قبل أن تكتمل.
وهذه المفارقة المؤلمة تضعنا أمام سؤال مصيري: كيف انقلبت الوسيلة إلى غاية؟ وكيف صار «الوقت» سيدًا على «الفكر» لا خادماً له؟
يقدِّر الباحث أنَّ جرثومة الإشكالية هنا تكمن في تحوُّل البحث العلمي الجوهري من «صناعة المعنى» إلى «صناعة المنتَج»، فالبحث الذي يُفترض أن يكون حواراً متأنيًا مع الظواهر والنصوص، تحوّل إلى خط إنتاجٍ فكري تُقاس كفاءته بعدد الأوراق المنشورة وسرعة إخراجها، وهذا الانزياح الخطير ليس تشويهًا إداريًّا، بل هو تحويل للهوية الوجودية للبحث من فعل عقلي حرٍّ هدفه الكشف، إلى نشاط وظيفي مقنن هدفه التكديس.
من هذا التأسيس السابق، يبرز السؤال الجوهري الذي تحاول هذه المقالة مقاربته: كيف يمكن تحرير الزمن البحثي من قبضة «الكم» ليعود إلى حضن «الكيف»؟ وكيف نعيد للباحث سيادته على زمنه، ليصير الزمن وعاءً للإبداع لا سجناً للإنتاجية وحدها؟
إنَّ هذا التساؤل لا ينبغي حين فهمه أنْ يفهم على أنه دعوة إلى الفوضى أو التفلت من الضوابط، بل هو دعوة إلى إعادة تعريف العلاقة بين العقل الباحث والزمن الذي يعمل فيه.
تفترض هذه المقالة أن المخرج من هذه الأزمة ليس مضمَّنًا في فكرة «تنظيم أفضل للوقت»، بل إنّ المخرج في نقلةٍ نوعيةٍ نحو ما يمكن أنْ يُسمّى بــ «عقلانية تدبير الزمن البحثي».
هذا المفهوم المُطوَّر يستلهم لبّ رؤية الدكتور محمد همام في محاضرة من محاضراته بعنوان (مهارات تدبير الزمن البحثي)، ثم يضيف إليه البُعد الفلسفي العقلاني، ليجعل من الزمن مادة أوليّةٍ للتفكير؛ لأنّ التدبير العقلاني هو اشتغال واعٍ للعقل على الزمن، لصياغته فضاء وجوديًّا تُولد فيه الأفكار لا ظرفًا يُحشى بالمهام.
التحول النظري من التنظيم إلى التدبير إلى العقلانية.
ظلَّ مفهوم «تنظيم الوقت» في أدبيات الإنجاز مهيمنًا على إنتاج الأبحاث والأطاريح الجامعية، مُختزِلًا علاقة الباحث بزمنه إلى ألا تكون سوى أعمال توسم بأنها حَشو كمي لجداول الأعمال، وملء لفراغات الزمن.
وفي هذا النموذج الآلي لتنظيم الوقت، يُنظر إلى الزمن بوصفه أوعية يمكن تقسيمها وتعبئتها، وهذا الاختزال يحوِّل الأعمال البحثية المعقدة – بكل ما تحمله من ترددٍ وتأملٍ وارتجالٍ خلاق – إلى قائمة مهام خطيَّةٍ، تُكافئ السرعةَ وتُقدِّس الإنجازَ الفوري حتى إنّ ذلك يسلُبُ الزمنَ البحثيَّ معناه الوجودي لمصلحة منطقٍ آلي تنظيميٍّ يُفرغ البحث من روحه الإبداعية.
في مواجهة هذا النموذج الذي يمسُّ ظواهر البحث العلمي، قدَّم الدكتور (محمد همام) الأستاذ في (كلية الآداب والعلوم الإنسانية – جامعة القاضي عياض) نقلة نوعية بمفهوم «تدبير الزمن البحثي»، فالتدبير عنده ليس ترتيباً للوقت، بل تخطيطٌ استشرافي، وليس مَلْئًا للفراغات، بل استثمارٌ للمساحات.
ويتراءى لي أنّ الدكتور محمد همّام قد حوَّل الزمن من «موردٍ ناضب» يجب اقتطاعه، إلى «رأس مالٍ معرفي» يحسن بالمهتمِّ تنميته، وذلك ببيانه فرقًا جوهريًّا بين (المورد الناضب) و(رأس المال المعرفي)، إذ حين يسأل منظِّم الوقت: «ماذا سأفعل في الساعة القادمة؟»؛ يسأل مدبِّر الزمن: «ما العائد المعرفي الذي أريده من عمري البحثي كله؟»، وهنا ينصرفُ الذهن من التفكير بالكم إلى التعمّق في الكيف.
غير أن المفهوم – على أهميته – يظل بحاجة إلى تأطير فلسفي أعمق، وهو ما تحاول هذه المقالة تقديمه بربطه بمبدأ «العقلانية»، الذي يمكن أن يكون العباءة التي تغطي كثيرًا من أشتات الأفكار في (فقه البحث العلمي).
إنّ العقلانية المقصودة هنا هي التي تتساءل: لماذا أخصص هذا الوقت لهذه المهمة؟ وما طبيعة العلاقة بين نوع الزمن ونوع الفكرة المنتَجة؟ وهل يمكن «تدبير» الزمن الانفعالي للشك، والزمن الإبداعي للتأمل، كما نُدبِّر الزمن الإجرائي لجمع البيانات؟
ويمكن تعريف «عقلانية تدبير الزمن البحثي» بأنها ممارسة واعية وفق فعل عقليٍّ مخضِعٍ علاقة الباحث بالزمن لإطارٍ منطقيٍّ يحوِّلُ الزمن العام إلى فضاءٍ مُخصِّبٍ لإنتاج المعنى في وعيٍ أخلاقي واجتماعي بطبيعة المراحل البحثية، وترتيب الأولويات وفق مقاصد معرفية خالصة.
وتكتمل الصورة النظرية إذا ما وضعنا المفاهيم الثلاثة؛ (التنظيم)، و(التدبير)، و(العقلانية) على سلم تراتبي يبيّن تطور الوعي بالزمن البحثي، فالتنظيم يشكل القاعدة الإجرائية (الشكل)، والتدبير يمثل العمق الإستراتيجي (الجوهر)، أمّا العقلانية فتأتي إطارًا فلسفيًا حاكمًا (الروح).
وبطريقةٍ أخرى، يجيب التنظيم عن (الكيف)، ويناقش التدبير (لماذا)، أما العقلانية فتظهرُ جواب: ما الغاية الوجودية من التنظيم والتدبير؟
وإذا كان التحول النظري قد أرسى دعائم العلاقة الجديدة بين العقل الباحث والزمن، فإن السؤال العملي يظل قائمًا: كيف تتجلى هذه العقلانية في المكابدة اليومية؟ وكيف نميّز بين أنواع الزمن التي يعبرها الباحث في رحلته؟
تشريح الزمن البحثي (الأنماط والمراحل)
يخضع الزمن البحثي لتقلبات نوعية عميقة، فهو ليس مادةً موحدةً تمر في قناة واحدة، بل هو أنماط متباينة تفرض كل منها عقليتها الخاصة وأدواتها المناسبة، ويمكن للمتأمّل تمييز ثلاثة أنماط رئيسة يتنقل الباحث بينها، وفي الغالب يكون تنقّلهُ بشكل غير خطي، وهي: (الزمن المرن)، و(الزمن الإجرائي الصلب)، و(زمن الانعزالية).
والفشل في تمييز هذه الأنماط وتمكين الانتقال السلس بينها يحوّل البحث إلى معاناة يومية حيث يحاول الباحث كتابة تحليل عميق في وقتٍ مخصص للقراءة الاستكشافية، أو يجمع بيانات دقيقة في لحظة تتطلب عزلةً تأملية.
في البدء، يمثل «الزمن المرن» مرحلة البحث عن الفكرة وتحديد الإطار النظري، وهو زمنٌ مفتوحٌ سمته السيولةُ والتوسع، وفيه يدخل الباحث في حالة استكشافية تشبه الترحال الفكري بين المصادر والمراجع، حيث القراءة موسعة وغير موجَّهة بالكامل، والعصف الذهني يتسع لآفاقٍ متعددة ومتباعدةٍ من الاحتمالات.
وخطر هذه المرحلة كامن في مشكلة معرفية هي: «وهم البحث المنتج»، حيث يظن الباحث أنه يعمل لأنه يقرأ ويستكشف، والحق أنه يهرب من لحظة اتخاذ القرار الحاسم، إذ الإفراط في المرونة دون ضابطٍ منهجي قد يحوّل هذه المرحلة إلى متاهة زمنية تُستهلك فيها الأشهر دون إنتاج فكرة واضحة.
لذلك، يحتاج الزمن المرن إلى وعي يجعل الحرية الفكرية مرنة بحدودٍ زمنية واسعة، فالباحث الذكي يمنح نفسه مساحة للاستكشاف، لكنه يضع نقاطاً مرجعية تقيّم تقدمه: متى يجب أن ينتقل من القراءة العامة إلى الخاصة؟ ومتى يحول الفكرة المبهمة إلى سؤال بحثي؟ وهذا يساعدنا في إدارك أنّ التحول من (الزمن المرن) إلى ما يليه هو أول اختبار حقيقي لــ(عقلانية التدبير).
ثم إنّ الباحث إذا أحسّ بعد اقتناص فكرته بـاستقرارها في روعه، وبان له المنهج الذي يسلكه للوصول إليها، كان عليه حينئذٍ أن ينتقل إلى «الزمن الإجرائي الصلب»، وهو مرحلة جمع البيانات والمعلومات الأولية، وهنا يتغير نمط الزمن: من المرونة إلى الصلابة، ومن الانفتاح إلى الانضباط، ومن التأمل إلى الفعل؛ لأنّ هذا الزمن زمن الجداول الدقيقة، والخطوات المتسلسلة، والالتزام بالمواعيد.
ويكمن التحدي الأكبر في صدمة الانتقال من فضاء التأمل إلى وطأة التنفيذ؛ لأنّ بعض الباحثين يفضلون البقاء في راحة (الزمن المرن)، ويتهربون من دخول مرحلة (الصلابة الإجرائية) التي تتطلب محاسبة ذاتية صارمة، وهنا تبرز أهمية (الانضباط الذاتي) بوصفه جسرًا بين النمطين، وبدون هذا الانضباط يظل البحث حبيس الأفكار، ولا يتحول إلى (معرفة) قابلة للاختبار.
وبعد اكتمال المادة العلمية، يدخل الباحث في «زمن الانعزالية»، وهي مرحلة التحليل والتركيب والكتابة، ومن سمات هذا الزمن أنه زمن الغوص العميق، فالعقل فيه محتاج إلى صفاءٍ قوي لاستخلاص الدلالات، وصياغة النتائج بلغة أكاديمية متماسكة، وكذلك هو زمن الحوار الخالص مع الذات والفكرة، بعيدًا عن ضجيج المصادر الأولية وتفاصيل الجمع، وهنا تكون الجودة الفكرية على المحك، فكل تشتت خارجي قد يكلف الباحث استنتاجًا مهمًّا، أو يفكك بناء حجاجيًّا دقيقًا.
ووراء هذه الأنماط الثلاثة الرئيسية، ثمة نمط رابع أكثر خفاء وأعمق تأثيرًا، وهو «الزمن الإبداعي»، ومن سماته أنه زمن الشك البناء، والتأمل الحر غير الموجّه، والانتظار الصبور لنضج الفكرة، وهو زمن لا يمكن حجزه في جدول، ولا يمكن إنتاجه بقرار، بل يمتد في الزمن ويتمدد في الذهن.
والخطورة هنا تقع في احتمالين: الإفراط في هذا الزمن حتى يتحول إلى تسويف، أو الإهمال له حتى يجفّ البحث من لحظاته الإلهامية العابرة، وتدبير هذا الزمن يتطلب حكمةً تعرف متى تستسلم لتيار التأمل؟ ومتى تعود إلى ضفاف الخطة المنهجية؟
ويبرز -بعد أن تبينت الأنماط الزمنية التي يمر بها الباحث- سؤال: كيف نوزع وقتنا بين هذه الأنماط المتضاربة؟ وأي المهام نقدم؟ وأيها نؤخر؟
معضلة الأولويات بين مربع الإنجاز ومربع الإنهاك
يواجه الباحث يوميًا كمًّا كبيرًا من المهام المتزاحمة وهذا يجعله في حاجة ماسة إلى بوصلة ترشده في تحديد ما يستحق وقته الجوهري، وما هو زائف أو هامشي، ولعل «مصفوفة أولويات الباحث» تسهم في تقسيم المهام إلى أربعة مهام انطلاقًا من معياري العجلة والأهمية، وهذه المصفوفة مرآة تكشف عقلية الباحث ومرجعيته الحقيقية: هل يسير الباحث وفق خطة إستراتيجية أم يسير ف ي بحثه وفق ما تمليه عليه الضغوط اليومية العاجلة؟
ويقع «مربع الإنجاز الحقيقي» في حيز المهام المهمة غير العاجلة، وفي هذا المربع تكتب فصول الرسالة، وتقرأ أُمّاتُ المصادر، وينصرفُ تأمُّل الباحث إلى الإشكالات الكبرى، ويهتمُّ بالتخطيط الإستراتيجي الشامل بعيد الأثر، ويمكن فهم خطورة هذا المربع من سهولة تأجيله أمام وطأة المهام العاجلة الأقل أهمية، وإنّ حماية هذا المربع تحتاج إلى إرادة فولاذية وجدولة ثابتة؛ إذ إنه الاستثمار الوحيد الذي يضمن عائدًا معرفيًّا حقيقيًّا.
أما في المقابل، يستنزف «مربع الإنهاك» (العاجل غير المهم) طاقة الباحث الذهنية دون عائد معرفي يذكر، وهنا تتراكم أزمات المواعيد النهائية الضيقة، واجتماعات العمل الروتينية، وطلبات عمل الإدارة التي توجّه وفق مبدأ كل عمل حالة إسعافية خطرة، وكل ما يصرخ «أنجزني الآن!».
إنَّ العيش المستمر في هذا المربع يحوِّل الباحث من مفكر إستراتيجي إلى (مطفئ حرائق يومي)، يلهث خلف حلّ المشكلات السطحية على لذّةِ التعمق في جوهر بحثه، والنتيجة هي بحثٌ مشوَّه، يمتلك منهجيّةً لكنه يفتقر إلى العمق ونبل الغاية.
ويؤدي الإفراط في الانشغال بالمربع (العاجل غير المهم)، وإهمال (مربع الإنجاز الحقيقي)، إلى ما يمكن تسميته «ظاهرة إنهاك المعرفة» التي يمكن الاستدلال عليه بمؤشر كمّي يدفع الباحث إلى الغرق في تفاصيل الكم الكبير من الأبحاث والمشاريع والمشاركات حتى ينطبق عليه -إنْ لم تكن نيته صالحةً- أنه (يحكي انتفاشًا صولة الأسد)، والباحث هنا بين عدد غير قليل من الأوراق والمشاركات والمشاريع، غير أنها أشبه بـ «أشتات معرفية» لا تجمعها رؤية فكرية موحدة، ولا تقدم إضافة نوعية للمجال العلمي.
إنّ (إنهاك المعرفة) هو العمل بميزان الكثرة مع إهمال العمق والإجادة، وهنا يُستبدل العمق بالانتشار، والجودة بالكمية، والفكر الناضج بالإنجاز الشكلي، ويمكن وصف ذلك بأنه مرضٌ عُضالٌ يصيب المنظومة الأكاديمية عندما تُفرطُ في تقدير شأن المقاييس الكمية على صفاء المقاييس النوعية.
ويظهر الفارق الجوهري بين «الباحث المفكر» و «الباحث الموظف» في أنّ الأول يرى مصفوفة الأولويات خريطةً يسترشد بها لخدمة فكرته الكبرى، فيقاوم إغراء المربع العاجل غير المهم، ويحمي وقت المربع المهم غير العاجل. أما الثاني فيسير وفق منطق المؤسسة، فيملأ أيامه بمهام المربع العاجل (ولو كانت تافهة)؛ ليشعر بالإنجاز الوظيفي الفوري، ويتخلى طواعية عن امتياز التفكير الطويل، والنتيجة التي نصل إليها هي: إنّ الأول ينتج معرفة، والثاني ينتج أوراقاً.
إذا كانت معضلة الأولويات تكشف عن صراع داخلي في عقلية الباحث، فإن التحدي الأكبر يأتي من الخارج: من المنظومة الأكاديمية ذاتها التي عمَّقتْ -عن غير قصد- ثقافة «التكثير» و»الإنهاك».
وهنا تتساءل؛ كيف يمكن تطبيق (عقلانية التدبير) في بيئة مؤسساتية ترفع شعار الجودة، ولكنها تكافئ الكم؟
الأخلاقيات والتحدي المؤسساتي
لا تكتمل (عقلانية تدبير الزمن البحثي) دون بُعدها الأخلاقي الراسخ الذي يحوِّل المفهوم من تقانةٍ منتجة إلى مسؤولية معرفية؛ فالأخلاقيات هي الضمير الداخلي الذي يراقب علاقة الباحث بزمنه وبمعرفته.
وتتجلى هذه الأخلاقيات في ثلاث فضائل أساسية هي (الصدق مع الذات والجماعة العلمية)، و(التوازن بين الجرأة الفكرية والصبر التأملي)، و(النزاهة في توزيع الزمن بين واجبات البحث ومسؤوليات الباحث الاجتماعية).
إنّ هذه الفضائل الثلاث أخلاقيات تحمي الباحث أن يكون نسخة ممسوخة أو مشوَّهة، تنتج ما لا تؤمن به؛ لأنه لابد أن يتساوى مع غيره في الترقي الوظيفي، أو يساوى بغيره ممن لا يعيش مكابدات علمية تشبه مكابدات عبد القاهر الجرجاني وهو يكتب (دلائل الإعجاز) أو (الرسالة الشافية) ويشير إلى أنّ ما هو فيه لم يظهر له إلا (بأخرة) أي بعد زمن طويل من المكابدة العقلية لفهم عقلانية البيان العربي على سنن يجمع بين المقاربات الكلامية والتذوّق البلاغيّ، كل هذا يصير في (دنيا الناس).
وأخطر ما يهدد هذه الأخلاقيات أنْ تفرّغ من مضمونها فيتخذ «البطء النوعي المحمود» ذريعةً للتقاعس، وينبغي التنبه إلى أنّ فرقًا شاسعًا جاثمًا في الطريق بين الباحث الذي يتأنى لينضج فكرته، وباحثٍ يختبئ وراء شعار «الجودة» ليبرر عدم إنتاجه أو خوفه من المواجهة النقدية، والعقلانية الحقيقية تتطلب (شفافية الذات) في تقييم السبب الحقيقي للتأخير: هل هو تعقيد الموضوع أم عدم الكفاءة أم الخوف؟! كما أن هناك خطرًامعاكسًا يهوّن من أثر هذه الفضائل وهو (تواضع المبدعين) الذين يقللون من شأن إنتاجهم النوعي فيسهمون – عن غير قصد – في طمس إضافاتهم الفريدة.
ويفاقم هذه المعضلات الأخلاقية بنى النظام الأكاديمي نفسه الذي يعمل – في بعض الأحيان – وفق آليات تُضخِّمُ «مربع الإنهاك»، ويمكن تمييز مسارين رئيسين يدفعان هذه الأزمة إلى الاتساع، وهما: مسار الرسائل العلمية المقيد بزمن مغلق مما ينتج باحثًا «مؤدلجًا زمنيًّا» يسعى لإنجاز الشروط لا لإنتاج المعرفة، ومسار الأبحاث المحكمة المرتبط عضويًّا بالترقية الوظيفية، فيصبح الزمن «زمن استحقاق» لا «زمن نضج»، وفي كلا المسارين، يتحول الزمن من (حاضن للأفكار) إلى (سلعة استهلاكية) تُقاس بعدد الوحدات المنتجة لا بجودتها.
بهذا، قد تتحول البيئة الأكاديمية –في ظلال هذه الإجراءات– إلى حاضنة لـ «ثقافة التكثير» على فضيلة «ثقافة التعميق»، وحينئذ سنعيشُ ثقافةً تُكافئ الظاهر على الجوهر، والكم على الكيف، والسريع على المتأني، والنتيجة المأساوية هي نظام ينتج (باحثين موظفين) أكثر مما ينتج (مفكرين مبدعين)، ويصبح الهمّ الرئيسي حينها هو «كيف أنشر؟» لا «كيف أضيف؟»، وهذه أزمة هوية، حيث تفقد المؤسسات العلمية مهمتها الأساسية بوصفها حاضنةً للفكر النقدي والاكتشاف العميق، لتصير سوقًا للمعرفة السريعة.
وفي مواجهة هذه الثقافة، تبرز ضرورة تمييز حاسم بين نوعين من المعرفة: «المعرفة العلمية الأكاديمية» و «المعرفة السوقية». فالأولى هدفها (تطوير الحقل المعرفي) نفسه، وتتطلب زمنًا طويلًا، وعمقًا تحليليًّا، وصبرًا على تعقيدات الموضوع. أما الثانية فهي معرفة استهلاكية تهدف إلى (نشر المعلومة) وتيسيرها لجمهور أوسع، والخطأ الكارثي هو معاملة النوع الثاني بمقاييس النوع الأول، أو مطالبة النوع الأول بسمات النوع الثاني.
ولا يعني هذا التشنيعَ والتبشيع من الإنتاج العلمي الكثير، بل إنّ ذلك يفيد خارج جدران المؤسسات الأكاديمية الصارمة، أمّا داخل أسوارها فيجب أن تخضع المعرفة لمعايير النوعية والعمق والابتكار التي تليق بتطوير المختصين، ولا تنزلقُ نحو التشبُّع بالكثرة.
وإذا كانت المؤسسة الأكاديمية حينئذ ستصبح جزءًا من المشكلة، فإنّ الحل ليس في الهروب منها، بل في إعادة تصورها وتنضيدها من الداخل، وهذا يستدعي الانتقال من النقد إلى الاقتراح، ومن تحليل الإشكالية إلى تقديم نموذج بديل، يمكن أن يكون سؤاله هو: كيف يمكننا بناء بيئة بحثية تعيد الاعتبار للزمن البحثي؟ وكيف يمكننا تفعيل (عقلانية التدبير) على المستويين الفردي والجماعي؟
النموذج التكاملي
تنبع أزمة الزمن البحثي من اختلال في ثلاثة مستويات: فردي (في عقلية الباحث)، منهجي (في أولويات المهام)، ومؤسساتي (في بيئة البحث).
ولذلك، لا تكفي الحلول الجزئية، بل نحتاج إلى نموذج تكاملي ثلاثي الأبعاد يجمع بين التدبير الفردي والتدبير الجماعي في إطار مؤسساتي داعم، وهذا النموذج لا يلغي الأبعاد السابقة، بل يجمعها في منظومة تجعل من تدبير الزمن مسؤوليةً مشتركة بين الباحث والمؤسسة، وليس عبئًا فرديًّا، وهذا النموذج يقصد به التحوُّل من نموذج «الباحث المنعزل» إلى نموذج «المجتمع البحثي المتعاضد».
ولكن -وهذا مهمٌّ- يظل التدبير الفردي حجر الزاوية في هذا النموذج؛ لأنه يعبر عن سيادة الباحث على رحلته المعرفية، وهذا يتجلى في مهارات محددة، كامتلاك الجرأة المعرفية لاتخاذ القرارات الزمنية المصيرية (متى يبدأ؟ متى يتوقف؟ متى يغير المسار؟)، وممارسة «العمل العميق» الذي يتطلب عُزلة في المشاعر للغوص في المهام المعرفية الصعبة، واستخدام تقانات تضبط التركيز كـتلك التقانة التي تسمى «تقنية الطماطم» التي طوّرها الإيطالي (فرانشيسكو سيريلو) لتجزئة الزمن إلى فترات إنتاج مركزة، ولعل الذي يظهر في هذه المقالة أنّ ربطها بالإطار العقلاني يجعلها أقرب للتعبير عن الحكمة الزمنية من الانضباط الآلي.
إلى جانب التدبير الفردي، تُقدّم هذه المقالة فكرة «التدبير الجماعي للزمن البحثي»؛ وذلك محاولة للنظر في أبعادٍ ربما لم تمسّ، وهي تنتظم في سلك تطوير أفكار د. محمد همام التي ركزت على الجانب الفردي، وسبب ذلك أنّ كثيرًا من المشاريع البحثية المعاصرة تتسم بالتعقيد والتشعب، مما يجعل إنجازها من قبل الباحث وحده ضربًا من الخيال، أو قد يستغرق عمرًا بأكمله، ولعل التدبير الجماعي لمثل هذه المشاريع العملاقة يصبح حلًّا إستراتيجيًّا لأنه يبنى على يتوزع الزمن بين أعضاء الفريق وفقًا لأنماط الزمن المختلفة وتخصصات الأعضاء: فبعضهم -في تقديري- يتقن «الزمن المرن» للاستكشاف، وبعضهم يتفوق في «الزمن الإجرائي الصلب» للتنفيذ، وبعضهم يبرع في «زمن الانعزالية» للتحليل، وهذا التوزيع لا يسرّع الإنجاز، بل يثري البحث بتنوع العقول وتكامل الخبرات.
ومن المهم الانتباه إلى أنّ نجاح (التدبير الجماعي) لا يتحقق من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى إجراءات دقيقة تضمن الانسجام بين الأعضاء، ومنها: تخصيص «أوقات تآلف» للعصف الذهني المشترك، ووضع ميثاق زمني جماعي يحدد عمل كل عضو، ومواعيد التسليم مع مراعاة الفروق الفردية في الإيقاعات الذهنية، واعتماد منصات تنسيقية تسمح بمتابعة التقدم دون حاجة إلى اجتماعات مستنزِفة، والأهم هو تنمية ثقافة الاحترام المتبادل ل زمن الآخرين، وعدم تحميل الفرد مهام إضافية مفاجئة تعطل تخطيطه الشخصي.
إن الجمع بين التدبير الفردي والجماعي يحدث تآزرًا تتضاعف فيه إنتاجية الفريق دون إرهاق أفراده، فالفرد يحصل على مساحة كافية للتركيز في مجال تخصصه الدقيق، ويستفيد من إسهامات الآخرين في المجالات التي قد تكون خارج نطاق خبرته.
وهكذا، يمكن إنجاز مشاريع بحثية كبيرة ومعقدة (كالموسوعات المتخصصة، والدراسات المسحية الشاملة، والمشاريع البينية) في زمن معقول، مع الحفاظ على الجودة النوعية، وهذا النموذج لا يحسن بالناظر أن يراه جمعًا بين أفراد، بل هو بناء نسقي يتكامل فيه (الزمن الفردي) مع (الزمن الجماعي)؛ لتشكيل كيان معرفي متكامل أقوى من مجموع أجزائه.
وبعد أن رُسِمَتْ معالم النموذج التكاملي بين التدبير الفردي والجماعي بقي أن نوقف الرحلة الفكرية التي طال فيها جري القلم، ونخرج من هذا كله بتوصيات يمكن أن تكون دليلًا للباحثين والمؤسسات الأكاديمية الراغبة في تجاوز أزمة «إنهاك المعرفة» نحو فضاء «الإبداع المعرفي».
وتؤكد هذه الرحلة على أمر مهم هو أنه: لا يمكن استعادة روح البحث العلمي دون تحول من ثقافة «كمية الإنتاج» إلى ثقافة «جودة الزمن»؛ إذ البحث الأصيل حوار مع الزمن، وكل إسراع في النمو المعرفي يقابله تقصير في العمق والاستبصار.
إن المعرفة الحقيقية تحتاج إلى زمنها البيولوجي الخاص كالنبتة، لذلك، فإن المقاومة الحقيقية اليوم ليست في إنتاج المزيد بسرعة أكبر، بل في الشجاعة العلمية لإنتاج الأفضل بسرعة متزنة ولو تعارض ذلك مع بعض الإيقاع السائد.
وتلخيصًا لما سبق، تقدم هذه المقالة التوصيات الآتية:
- تطوير مقاييس ترقية مزدوجة المسار: مسار كمي للأبحاث التطويرية والنشر الموسع وجودة التدريس والخدمة المجتمعية، ومسار نوعي يُعطي وزنًا أكبر للأعمال المفصلية التي تتطلب زمنًا طويلًا وتقديرًا يليق بها، مع تشكيل لجان تحكيم متخصصة تقيّم «عمق الإضافة» لا «كم الإنتاج».
- إدخال محفزات لتدبير الزمن البحثي، منها -على سبيل المثال- منح الباحث فترات إجازة بحثية مع تسهيل إجراءات ذلك بأنظمة دقيقة لا تترك لمجتهد اجتهادًا في التفسير والتأويل من أجل الرفض والتعطيل، أو يقدّم له تخفيف في العبء التدريسي مقابل التزامه بمشروع بحثي طويل الأمد، وذي مخاطر معرفية عالية، يحتمل أن يقدم إسهامًا جوهريًا.
- تشجيع وتمويل نماذج «التدبير الجماعي»؛ بإنشاء وحدات بحثية متكاملة، ودعم المنصات التنسيقية، وتقديم حوافز للفرق التي تنتج معرفة متكاملة ومعقدة.
كما تتوجه المقالة بالتوصيات الآتية للباحثين والأكاديميين على المستوى الفردي والجماعي:
- تبنّي فلسفة «عقلانية التدبير»؛ لتكون عدسة جديدة ينظر من خلالها إلى الزمن بوصفه ظرفًا للفكر يجب تدبيره بحكمة.
- الالتزام بـ«الصرامة والمرونة» فيجمع الباحث بين الانضباط في الخطة والمرونة في التنفيذ، مع الاحتفاء بـ»الزمن الإبداعي».
- بناء تحالفات بحثية نوعية: تخرج من عزلة المكتب الفردي إلى فضاء العمل الجماعي المتكامل الذي توزّعُ فيه المهام بناء على أنماط الزمن والكفاءات، لتحقيق ما لا يمكن للفرد أن يحققه.
وفي الختام، «في التأني السلامة وفي العَجَلَة النّدامة»، والعلم مثابرة ومصابرة، لا مفاخرة ومُكاثرة.
** **
- أستاذ البلاغة والنقد المشارك في جامعة الحدود الشمالية.