يحيى العلكمي
يثير حضور السردية في النص المسرحي سؤالًا نقديًّا ملحًّا: أهي مثلبة تُضعف جوهر الدراما، أم تطوّر حديث متمرّد يوسّع أفق التعبير؟ لقد درج المسرح، منذ أرسى قواعده الأولى عند أرسطو في تنظيره لفنّ المأساة، على مركزية الفعل، وتنامي الحدث، وتصاعد الصراع عبر حوارات قصيرة مكثّفة تُراكم الدلالة وتدفع الشخصيات إلى حافة الانكشاف، غير أنّ بعض الكتّاب اليوم يجنحون إلى السردية المفرطة، فيُطيلون المقاطع الحكائية، ويمنحون الشخصية خطابًا يمتد صفحةً ونصف الصفحة تقريباً، حتى يكاد النص يتحوّل إلى منبرٍ تأمّلي أكثر منه فضاءً دراميًّا نابضًا بالفعل.
لا أنكر أنّ للسرد وظيفةً جمالية حين يُستخدم بوعي؛ فهو يختزل الأزمنة، ويكشف خلفيات الأحداث، ويعمّق البعد النفسي للشخصيات، ولقد استفاد منه المسرح الحديث متأثّرًا بتجارب رائدة مثل بريخت الذي مزج الحكاية بالفعل، ووسَّع مفهوم التلقي، فصار السرد أداة تغريب لا إبطاء، كما أنّ بعض نصوص سعد الله ونوس زاوجت بين الحكي والحوار، فجعلت السرد جزءًا من بنية السؤال المسرحي لا بديلًا عن الحدث.
غير أنّ الإغراق في السردية يبدّل طبيعة الفنّ نفسه؛ إذ المسرح -في جوهره- اقتصادٌ في اللغة، وتكثيفٌ في اللحظة، وتصعيدٌ مستمرّ للتوتر، حين يطول السرد، يتراخى الإيقاع، ويتراجع الصراع، ويتحوّل المتفرّج من شاهدٍ على فعلٍ حيّ إلى مستمعٍ لحكايةٍ يمكن أن تُقرأ في رواية.
إنّ الدراما تقوم على ما يحدث الآن؛ على اصطدام الإرادات، على الجملة القصيرة التي تشبه الرصاصة، فإذا استبدلنا ذلك بفيضٍ حكائيّ مطوّل، خسرنا حرارة المواجهة.
شخصيًّا أرى أنّ السردية المغرقة تُضعف النص المسرحي، وتُخرجه من حالة التكثيف الجاذب إلى فسحةٍ روائيةٍ لا تحتملها الخشبة. ليست المشكلة في السرد ذاته، إنما في طغيانه على الفعل، المسرح ليس سيرةً تُروى، إنما حياةٌ تُعاش أمامنا في لحظةٍ واحدة، وكلّما اختلّ ميزان الفعل والحكي، تراجع الأثر الدرامي.
ومع ذلك، يظلّ السؤال مشروعًا: هل فازت أعمالٌ مسرحيةٌ طاغيةُ السردية؟ والجواب: اللهم نعم. فقد حصدت بعض التجارب الحديثة جوائز مرموقة، وحقّقت حضورًا جماهيريًّا، على الرغم من كثافة مقاطعها الحكائية. بيدَ أنّ الفوز لا يعني اكتمال الصيغة، ولا يعفي النص من مساءلة بنيته، حيث المعيار الأعمق ليس عدد الجوائز التي تكتنفها ظروف عدة، إنما قدرة العمل على إشعال الخشبة بالفعل الحيّ، وهنا يبقى التوازن هو الرهان: سردٌ يخدم الفعل، لا يبتلعه.
** **
- كاتب وناقد مسرحي.