علي حسين (السعلي)
قد نتساءل أنا وأنت وكل من يقرأ: ماذا نحتاج للإجابة عن سؤال كيف نأتي بالأفكار؟
أن نملك خطام اللغة البيضاء السهلة الممتنعة، ونسرج بالحروف على السطور، وننطلق في بسط مقام المقال.. كيف؟
للإجابة أحتاج إلى أن نحكي حكاية الناقد سعيد السريحي -رحمه الله- وعبده خال كنتُ سمعتها من الروائي خال نفسه: تقول الحكاية كما فهمتها في سؤال خال للناقد السريحي: إذاً ماذا أكتب يا أستاذ هذه أفكاري! قام السريحي ونزع ساعته من يده وقذفها بالقرب من عبده خال وهو مندهش من حركة السريحي الغريبة من وجهة نظره وقال له السريحي:
الآن يا عبده أكتب عن هذا الحدث!
نفهم من هذه الحكاية القصيرة أن الفكرة في بناء المقال وخصوصاً القصة القصيرة هي فِكْرَة بسيطة ويتولّد منها البناء الحقيقي لجسد العرض والعقدة إلى الخانمة والنهايات المقفلة أو المفتوحة والتي تعني إشراك القارئ في إيجاد الحلول، بمعنى تحفيز القارئ لإكمال النهاية كما يراها هو!.
الآن ما هي محددات صنع الفكرة الأولى عند الكاتب
كيف يلتقط بداية الأفكار؟
بداية:
[الأحلام] الأحداث التي نحلم بها، وحين نستفيق نشعر أنها معنا واقعاً، فعلى الكاتب أن يلتقط الفكرة في الحُلْم
ويبدأ في توظيفيها بين الخيال والواقع.. حتماً ستخرج فكرةً خلاّقة ونصاً مبدعاً.
[القراءة] وهنا لعمري لُب وأُمّ الأفكار بل مصنعها التي تتشكّل منها القصة القصيرة، فبالقراءة تشحذ الهِمم وتشحن الغايات وتتألق النهايات بدايتها قراءة ووسطها تمعًن وتمحيص ونهاياتها أجمل الأفكار وأنقاها، وعلى فكرة قد تأتي الأفكار من جملة قرأناها في كتاب أو سطر أعجبنا حتى الكلمة القويّة المؤثرة تعيش فينا نتأملها، ومنها تولد الفكرة إلى توائم أفكار.
[الحارة الشعبيّة] نعم وهذه نقطة مهمة جداً يهملها الكثير من الكتاب وبالأخص كتّاب القصّة القصيرة فالتحدث مع البقّال، الحداد، النجّار.. الاستماع جيداً لثقافة الآخرين قصصهم، أحاديثهم، دعاباتهم وهكذا حتماً من خلال كل ذلك بين التحدّث والاستماع تستنبط الأفكار وترجمتها إلى واقعنا المحلي، فلم ولن نتطوّر للعالمية ما لم نبدأ من المحليّة، مثال ذلك رواية المغزول والوسميّة للراحل عبد العزيز المشري -رحمه الله-.
[حديث الأجداد] وهنا تبدأ صناعة الأفكار خصوصاً كِبار السِنّ من أجدادنا وجداتنا، فحكاياتهم، قصصهم عن الجنّ والسعالية، الحروب، أبطال أبناء القرى في الشهامة والكرم في مجتمعنا السعودي كذلك يعدّ تسويقاً لأجيالنا فنأخذ كل هذا ونطوره إسقاطاً على واقعنا.
طبعاً هناك كتب متخصصة في هذا منها قد تأتي الأفكار في الاستحمام في حالة السفر، كذلك الاستماع لمقطع في اليوتيوب في أغلب مواقع التواصل الاجتماعي، في حوارات المثقفين والأدباء والمفكرين خصوصاً في إكس كذلك الاستماع جيداً للأمسيات الشعرية، القصصيّة الندوات والمحاضرات العلمية وغير ذلك كل ما ذكرته سابقاً هو مادة تشكّلها الأفكار.
القصة:
فن أدبي يسرد حكاية من المجتمع مختزلة، بذاكرة الكاتب ينثرها واقعاً بخياله، يترك ختامها بعيني القارئ.
أنواع القصة:
وقد قسَّم الأدباء القصة من حيث، الطول والقصر إلى أقسام هي:
الرواية: هي أكبر الأنواع القصصية حجمًا.
الحكاية: وهي وقائع حقيقية أو خيالية لا يلتزم فيها الحاكي بقواعد الفن الدقيقة.
القصة القصيرة: تمثل حدثًا واحدًا، في وقت واحد وزمان واحد، قد يكون أقل من ساعة، وهي حديثة العهد في الظهور.
الأقصوصة: وهي أقصر من القصة القصيرة وتقوم على كتابة منظر واحد.
القصة: وهي وسط بين الأقصوصة والرواية، ويحصر كاتب القصة اتجاهه في ناحية ويسلط عليها خياله، ويركز فيها جهده، ويصورها في إيجاز.
(سطر وفاصلة)
عندما يرحل الجسد ويبقى السريحي روحاً تكتب فينا الحياة، تنقش في أجسادنا وشم القراءة، ترسم لنا طريقاً من بدايته خارطة العلم والبحث والأفكار إلى نهاية الإبداع، السريحي -رحمه الله- لم يكن شاعراً نثر قصائده ورحل ولا ناقداً يعلّمنا معنى أن نقرأ النص ونؤلف نصوصاً حوله، ولا أديباً ثقفّ أسطرنا ونقّى كلماتنا فحسب، بل جعل السريحي -رحمه الله- من الكتاب أنفاس عطر تتلحف في أكفنا ونشمها مع قراءة الصفحات، عندما يرحل جسد السريحي تبقى الروح المثقفة والأديبة باقية داخل ذواتنا نصب أعيننا، نشاهد من خلالها النافذة والجدار ونستلهم ما بين الأقواس وخارجها.
رحم الله الدكتور سعيد السريحي رحل وترك إرثاً ثقافياً يحلّق عالياً بجناحي العلم والشعر والنقد، ويصب في آذاننا صبّ حب له وما قدمه للوطن ولك مثقف وأديب محلياً وعربيًا.