عبدالله العولقي
دخَلَ مندوبُ المحكمةِ تشارلز ديكنز على رئيسِ تحريرِ صحيفة (مونثلي مجازين) السيّد ايفينينج كرونيكل وبيده رواية ويطلب منه أنْ ينشرها في الصحيفة، تفاجأ رئيسُ التحريرِ منْ جُرْأةِ الطلبْ! فقدْ تعوّدَ أنْ يدخلَ عليه ديكنز وهو يحملُ معه غرائبَ أخبار القضايا في المحاكم! لكنّه تماسكَ قليلاً وهزّ رأسه متعجّباً ثمّ خاطبَ الشابَّ المتحمّس قائلاً: أنت ياتشارلز تكتب رواية؟! ما الذي تفهمه إذنْ في الأدب؟! وقفَ الفتي الشابُّ بثباتٍ، وردّ بكل هدوءٍ وثقة: أنا لا أفهمُ شيئاً سيّدي، ولكنّي قرأتُ كثيراً في القصص والحكايات، وعسى أنْ تنالَ هذه الرواية إعجابك! تناولَ السيّدُ كرونيكل الرواية وأخذ يتفحّصها سريعاً، ثمّ قرأ الصفحات الأولى منْها لكنّها لمْ تحزْ أبداً على رضاه! فلمْ يُعْجبه الأسلوبُ ولا حتّى الفكرة، فاعتذرَ منْ قبول الرواية، لكنّه أمام إصرارَ الكاتب المتحمس أخذ كومة الأوراق معه إلى المنزل، وهناك تحدث الصدفة التي خَدَمَتْ الكاتبَ كثيراً وحوّلت مسارَ حياته إلى الأبد عندما تصفّحت ابنةُ رئيس التحرير الشابّة كاترين صفحات الرواية فتسحرها القصة إلى حدٍ بعيد، لقد ظلت منغمسة في أحداثها وغارقة في فصولها حتّى جاءَ موعدُ العشاء، وهنا بدأت أصوات الأسرة تتصاعدُ نداءً لكاثرين حتّى تأتي لسفرةِ الطعام ولكنْ دون جدوى! لمْ تستطعْ الفتاةُ ذات العشرين عاماً مقاومة سحرِ الكتابة الإبداعيّة عند تشارلز ديكنز، فبقيتْ أسيرةً ومنذهلةً لقراءتها سطراً سطراً! لقدْ لاحظَ عليها والدُها هذا الإعجاب الغريب الذي أثاره في نفسه! فالرواية لمْ تنلْ شيئاً منْ إعجابه! وهنا اضطرّ رئيسُ التحرير أنْ يحاورَ ابنته عن الرواية والتي قالت له: إنّها أروع ما قرأته في حياتها! هنا عادَ رئيسُ التحرير وهو الخبير الحصيف بدهاليز الكتابة للتفكير في الموضوع، فأدركَ أنّ هذا الأسلوب الجديد الذي قدّمه الشابُّ ديكنز ربّما هو النمط الجذاب لهذا الجيل الشاب، وأمام حماس ابنته لنشرِ الرّواية في صحيفته قرّرَ أخيراً أنْ ينشرَها بشكلِ فصولٍ على صفحاتِ الجريدة، وهنا حدثت المفاجأة عندما ارتفعت مبيعات الصحيفة إلى الضِعْف، وبدأ القرّاءُ في لندن وبريطانيا يتساءلون عنْ هويّة هذا الكاتب العبقري الذي أسرهم بقدرته الإبداعيّة على الكتابة! لقد انهالتْ رسائلُ القراءِ تسألُ عنْ تشارلز ديكنز صاحب الخمسة والعشرين ربيعاً ممّا أدّى برئيس التحرير إلى أنْ يُسَارعَ فيوقيعِ العقد معه حتى لا تخطفه صحيفةٌ أخرى!
نشأ ديكنز في بيئةٍ فقيرةٍ جدّاً جعلته يقولُ في مذكّراته: كانَ من الطبيعيِّ جدّاً أنْ أنشأ لأعيشَ قاتلاً أو مجرماً وسط تلك الظروف الصّعبة البائسة لكنّ القراءة وحدها هي التي أنقذتني منْ ذلك كله! لقدْ عاشَ ديكنز حياته مديناً لرواية ألف ليلة وليلة التي تعلّقَ بها منذ طفولته العسيرة، هذه الطفولة التي بدأت فصولُ مأساتها بوالده المستهتر الذي لمْ يكنْ حصيفاً على الإطلاق في إدارةِ المالِ حتّى غرقَ في وحلِ الديون! هذه الديون التي أوصلته إلى غياهبِ السّجنِ أسيراً وحيداً بعيداً عنْ أسرته! وهنا قرّرتْ الأمُّ أنْ تُخْرج ابنها تشارلز من المدرسة وتُدخله قسراً إلى بيئة العمل حتّى يُعينها وأسرتها في مصروفات العائلة! هذا القرار الذي أحدثَ صدمةً نفسيّةً أثقلتْ كاهلَ الطفلِ الصغير، وهنا عملَ الفتى في دباغةِ الجلودِ ثمّ انتقلَ بعدها إلى بيع الملابس المستعملة ليستقرّ أخيراً في مصنعٍ متواضعٍ لإنتاج الأصباغ (الورنيش)! لقدْ كانَ حينها يعملُ عشرَ ساعاتٍ شاقّة وهو في الثانية عشرة منْ عمره! لقدْ تركتْ هذه التجربة الأليمة أثرها النفسي والاجتماعي في روحِ الطفلِ الصغير، كما سبّبتْ له تلك التجربة إحساساً عميقاً بالإهانة لمْ يتمكّن الزمنُ منْ طمسه فظلت فصولُها عالقةً في عقله الباطن حتى آخر يومٍ في حياته! لقدْ عانى في طفولته منْ قسوة الظروف ومعاناة الحياةِ بصورةٍ جعلته يُحوّلها فيما بعد إلى مادةٍ خصبةٍ لرواياته وحكاياته! لقدْ حاولَ الكاتبُ أنْ يُخْفي طفولته البائسة ويدمجها ببراعةٍ داخل أحداث رواياته وحكاياته!
لكنّنا الآنَ سنتحدثُ عن الجانب المظلم في سيرته، وأعْني علاقته الجائرة مع زوجته (كيت) التي أنجبَ منها عشرة أطفال، وعلى الرغمِ منْ جوانبِ انسانيّته المعروفة في مساعدة الفقراء والمحتاجين وإنشاء دورٍ لرعايةِ المُتشرّدين إلّا أنّ القارئ المُتتبّع لسيرته يتفاجأ منْ ظلمهِ لزوجته (كيت) ومعاملته القاسية لها! فبعدَ إنجابها للابن العاشر كانتْ قدْ فقدت جمالَها وتحوّلتْ إلى امرأةٍ سمينةٍ مُترهّلةٍ تُعاني منْ تنمّرِ زوجها المستمر! ويرى بعضُ علماءِ النفس المهتمّين بدراسة سيرةِ ديكنز أنّ طفولته القاسية كانت وراءَ معاملته المزرية لزوجته (كيت)، إذْ كانَ يُعاقبها كما كان يتمنّى أنْ يعاقبَ والدته التي أجبرته على العمل وعاملته بقسوةٍ في طفولته! لقدْ بلغت قسوته في معاملة (كيت) حدّاً جعلَ الناشرين والصحفيّين يمتنعون منْ زيارته في منزله لعدم قدرتهم على احتمال ذلك الكمِّ الهائل من القسوة! إذْ كانَ لا يتورّعُ أبداً عنْ توبيخها وتعنيفها أمامهم! وبعد إنجابها للابن العاشر ضاقَ ذرعاً بها وطلّقها ثمّ أرسلها لتعيشَ في بلدة (كامدن) في ضواحي لندن، وقدْ بذل جهداً عظيماً لاستصدار شهادة موثقة تفيدُ باختلالها العقلي! كما منعَ أولادَها منْ زيارتها، وهنا نجدُ شخصيّة ديكنز المتناقضة في أسمى صورها!
يقولُ الكاتبُ ويلسون مؤلّف كتاب (غموض تشارلز ديكنز): تأتي شخصيّة ديكنز الخياليّة كنتاجٍ لبركانٍ ثائرٍ من التناقض في موضوع الأخلاق! فكما رأينا صور القسوة في تعامله الجائر مع زوجته وأمّ أبنائه العشرة نجدُ الجانبَ المنيرَ في سيرته يضيءُ كفاعلِ خيرٍ لا مثيلَ له في زمانه! لقد التزم ديكنز بعددٍ من القضايا الخيريّة، لا سيّما تلك التي تتعلقُ بالفقرِ والأطفال والتعليم، ففي عام 1847م أسّسَ جمعيّته الخيريّة الخاصّة، كما كانَ يُشجّعُ المواهبَ الأدبيّة في الكتابة، ويُعْطي فرصاً لهم على صفحاتِ المجلّات التي كان يُشرفُ عليها، ويُحْسَبُ له أيضاً أنّه أوّل من ابتكرَ فكرة القراءة العامّة، فكان القراءُ والمستمعون يدفعون رسوماً لدخول القاعةِ التي يقرأ فيها ديكنز فصولاً من رواياته، فكانَ يقرأُ بأسلوبٍ رائعٍ ويتفاعلُ مع النصوصِ بصورةٍ تجعلُ الحضورَ يتفاعلون بشدّةٍ مع كاريزما شخصيّته العجيبة! لقدْ كانَ يستلقي أحياناً على ظهره وهو يقرأ منْ شدّةِ التعب، وأحياناً كانَ يُقاومُ الدموعَ وهي تنهالُ منْ عينيه مع المواقفِ الحزينة، كما كانَ يصرخُ بأعلى صوته في بعضِ الحواراتِ الحادّة! ويقومُ أحياناً بتمثيل المشاهد أمام الحضور! لقدْ عاشَ ديكنز حياته مثابراً نشيطاً بصورةٍ أدهشتْ كلّ منْ عرفه أوْ تعاملَ معه، هذا النشاط المحفّز الذي جعلَ الكاتب الكبير سومرست موم يقول: إنّه من الصعبِ أنْ تُصدّقَ أنّ شخصاً واحداً كانَ يمارسُ كلّ هذه النشاطات بصورةٍ يوميّة، لقدْ كان يكتبُ رواياتٍ وينشرُ مقالاتٍ في الصحف، ويبعثُ يومياً أكثر منْ عشرة رسائل، ويشرفُ على مؤسسةٍ خيريّة، ويناقشُ في إصلاح الصحةِ والثقافةِ والفنونِ ونظامِ الصرف الصّحي في لندن! كما كان يقيمُ سهراتٍ شبه يوميّة للأصدقاء، ويجمعُ التبرّعات لإنشاء مراكز لإيواء المشرّدين، ويمشي يوميّاً أكثر من عشرين كيلومتراً، إنّه إنسانٌ عاشَ حياة خمسين إنساناً!
لقد وصلَ ديكنز في شهرته إلى مستوى لمْ يصله أيّ كاتبٍ انجليزيٍّ في زمانه، فكانت رواياتُه تُترجم لكلِّ اللغات وتُقرأ في كلّ أصقاع العالم، وخلالَ رحلته للولاياتِ المتحدة كانت حشودُ المُعْجَبين تُلاحقه حيثما حلّ وارتحل، لقدْ بلغَ به الغرور حينها أنْ يقول: لمْ أقصّ شعري طوالَ تلك الرحلةِ خوفاً أنْ يبيعَ الحلّاقون شعر رأسي كتذكاراتٍ للأمريكان! لقدْ أُعجب الكاتبُ الروسيُّ الشهير ديستويفسكي بأدبِ ديكنز واعتبره واحداً منْ أعظم الأدباء في العالم، فامتدحَ قدراتَه الأدبيّة في تصويرِ مُعاناة الإنسان، ووصَفَ أعمالَه ورواياته بأنّها مليئةً بالصّدقِ الإنساني البعيد عنْ مُلوّثات عصره، لقدْ عاشَ تشارلز ديكنز في العصر الفيكتوري، في زمنِ المصانع التي غطّتْ أدخنتها المتصاعدة سماءَ إنجلترا، أيْ عصر التحوّلِ الاقتصادي إلى نظام الرأسماليّة الجشعة، وفي وسْطِ هذه الأجواء المادّية الخانقة صَعَدَ نجمُ الكاتب الانجليزي الذي قاومَ هيمنة الصناعة بسحرِ الكلمة، واستطاعَ أنْ يُعيدَ للأدبِ هيبته في زمنٍ بَسَطَ المالُ نفوذه على كلِّ شيء! لقدْ تمكّن ديكنز أنْ يُحْدِث معادلةَ اجتماعيّةً داخل انجلترا عندما أعادَ الناسَ إلى الاهتمام بالمسرح والفنون والقراءة بعدَ أنْ غرِقوا في وحول الماديّة المحْضة، وحول نهايته يقولُ الكاتبُ ويلسون مؤلّف سيرته الشخصيّة: بدأ ديكنز يحسُّ في سنواتهِ الأخيرة بتدهور حالته الصحيّة، ففي عام 1862م رفض عرضاً مغرياً لجولة قراءة في استراليا مقابل عشرة آلاف جنيهاً! لقد كان هذا المبلغ الضخم حينها كفيلاً أنْ يدرّ ثروة ضخمة على الكاتب الكبير! وفي عام 1869م أصيب بجلطةٍ دماغيّةٍ خفيفةٍ تمّ إنقاذه منها! وفي عام 1870م استقلّ ديكنز القطار المتّجه إلى بيكهام وهو في الثامنة والخمسين منْ عمره وفجأة وبدون مقدماتٍ هاجمته نوبة صرعٍ شرسةٍ أفقدته الوعي! حُمِلَ ديكنز في عربةٍ وتمّ إيصاله إلى منزلِ العائلة، وهناك ماتَ الكاتبُ الكبيرُ وسطَ أجواء العصر الفيكتوري، إذْ تُوفّي محاطاً بأطفاله العشرة! وبحضور رسّام شهير أتى خصيصاً لتصوير المشهد الأخير منْ حياة ديكنز، وقدْ كتبَ في وصيّته أنْ تكون جنازته عاديّة، وأوصى أنْ يُدفنَ في مدافن العامّة! لقد أراد أنْ يكون صادقاً في حياته وعند موته! مخلصاً لرسالته الإنسانيّة التي عاش منْ أجلها، ولكنّ لندن كلها رفضتْ تنفيذ وصيّته الغريبة، فالكاتب الكبير أصبح الآن أحد رموها التاريخيّين وربّما يعدلُ عندَ بعض المؤرّخين الإنجليز مستوى شكسبير! وأخيراً تمّ الاتفاق على إقامة جنازة رسميّة عظيمة لكاتب إنجلترا الكبير، فتمّ دفنه في مقابر (ركن الشعراء) في قلبِ لندن تقديراً لمساهماته الأدبيّة العظيمة في الأدب الإنجليزي!