أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
يعود بنا (ذو القُروح) للحديث عن بعض الظواهر المعاصرة، في ضربٍ من النقد الثقافي الاجتماعي. امتدادًا لما أشار إليه في مساقنا السابق من أنها ما انفكت من الأذهان تلك النظرة إلى المرأة على أنها سِلعة، فالوليُّ في الزواج بائعٌ والخاطب مشتر. والمهمُّ في الصَّفقة مزاج المشتري فقط، كما كان يفعل شاري الجواري من أسواق النِّخاسة، ومن ثَمَّ فلا بُدَّ أن يتأكَّد المشتري من كلِّ شيءٍ في السِّلعة. ثمَّ قال:
- لا يبرِّر الإقرارُ باختلاف المرأة عن الرَّجُل- بحالٍ من الأحوال- نشوء ممارساتٍ اجتماعيَّةٍ خاطئة، ومدانةٍ شرعًا وعُرفًا.
- الإنسان هو الإنسان في كلِّ مكانٍ وزمان، ولا غرابة أن يُستأنف ماضينا في حاضرنا باسم العادات والتقاليد.
- وهل أهلكتْ الأُمم إلَّا عاداتها وتقاليدها؟! إنَّ الذرائع- التي يمكن أن تُرفَع في كلِّ حال- لا تُسوِّغ إلغاء الطبيعة البَشريَّة، وتَجاهل سُنن التغاير بين الجنسَين، والتَّعامي عن الرؤية الكلِّيَّة لموضوع الذُّكورة والأُنوثة، في ضوء العقل وضرورات الحياة والمجتمع، ذلك أنَّ سوء التطبيق لا يصادر صحَّة النظريَّة. كما أنَّ تطوُّر المنظور لا ينفي صحَّة نظريَّةٍ جاءت وَفق منظورٍ سابق، أو آليَّات سالفة. فالنظريَّة النسبيَّة لـ(أينشتاين) -على سيل القياس- لا يُسقِطها أن تتوصَّل (سيرن= المنظمة الأوربيَّة للبحث النووي) إلى أنَّ جسيمات النيوترينو تفوق سرعتها سرعة الضوء! بمقدار ما تَـمُدُّ السابق باللَّاحق، وتفتح له الآفاق الأرحب. ذلك أنَّ ثمَّة من الحقائق القارَّة في الكون ما لا يُمكن تجاوزه، وإنْ تطوَّر تعاملنا معه حسب معطياتٍ جديدة. ومن ذلك مسألة الجُنوسة، أو الذُّكورة والأُنوثة، التي هي من مركَّبات الطبيعة التي لا سبيل إلى تخطِّي مقتضياتها في فيزياء المجتمع الحيوي.
- غير أنها (البروكرستيَّة Procrusteanism الاجتماعيَّة) الحديثة- نسبة إلى (سرير بروكرست) في الميثولوجيا الإغريقيَّة- للقولبة على غرار مقاييس سريرٍ مثاليٍّ غربي.
- نعم. وقد يُقال: إنَّما المساواة المنادَى بها، والمقصودة اليوم، هي في الحقوق والواجبات. لكن ولا «في الحقوق والواجبات» تستقيم المساواة أيضًا؛ فلكلٍّ حقوقٌ تختلف وواجباتٌ تتباين، بحُكم الطبيعة، قبل أن يكون بحُكم الدِّين. وحينما تطلب المرأة مساواتها بالرَّجُل فإنَّما هي تظلم نفسها بنفسها- هذا على فرض إمكانيَّة المساواة- لأنَّها تتخلَّى عمَّا ميَّزها الخالق به عن الرَّجُل، وما فضَّلها به. في الوقت الذي لا يمكن أن تساوي الرَّجُل في ما ميَّزه الخالق به وفضَّله به، إلَّا بأن تسترجل هي أو أن يستأنث هو. إنَّ دعوة «المساواة»، بتلك الصُّورة، شعارٌ أَبْلَه، لدَى بعضٍ، مُسيَّسٌ مؤدلجٌ، لدَى بعضٍ آخَر؛ لأنَّها لو تـمَّت، ولن تتم، لانتفى التميُّز، وانتفى الاختلاف والتكامل، وتبعًا لذلك: لانتفت الحياة نفسها!
- ثمَّ أيَّة مساواة مدَّعاة، تقليدًا للغرب، والمرأة في الغرب، ومن استنَّ بسنَّته من الشَّرق، ما أن تتزوَّج حتى تُلحَق اغتصابًا باسم زوجها، لتُنسَب إليه، وكأنها قد أصبحت ابنته، لا ابنة أبيها وأُمِّها؟!
- هذا جانب من التناقض التطبيقي مع الشعارات المرفوعة! وعندئذٍ تُمسي الزوجيَّة لا بيت طاعة فحسب، بل بيت انتساب واغتصاب هويَّة أيضًا، وتجرُّدٍ عن الأصل والفصل والأُسرة والعِرق!
- وهكذا يصبح الزوج أبا زوجته، في ثقافةٍ أبويَّةٍ ذُكوريَّة، ما فتئت، وجوقة مَواليها، تُعيِّر العالَم بالأبويَّة والذُّكوريَّة، وهي عَينها ثقافة الأبويَّة والذُّكوريَّة حتى النخاع.
- وليس هذا الشِّعار/ النَّبْز، الذي سكَّته الثقافة الغربيَّة لثقافات الأغيار، إلَّا كشِعارات نَبْزٍ تسكُّها كُلَّ يومٍ لدمغ الآخَرين بآفاتها هي، وبصناعاتها القِيَميَّة غير الأخلاقيَّة، النظريَّة والتطبيقيَّة. وأشهر ذلك شِعار النَّبْز الذي تمخَّضت عنه في القرن العشرين: (الإرهاب). مع أنَّها هي التي صنعت أدوات الإرهاب وأسلحته، ثمَّ مارسته في ما بين شعوبها، ثمَّ مارسته على الشعوب الأخرى، حتى إذا أنجزت هذا المنجَز غير الحضاري الفاضح، قذفت به مَن مارستْه عليهم أصلًا، على طريقة «رَمَتْني بدائها وانسلَّت!».
- وكذا فعلت باليهود؛ فاضطهدتم، ثم صدَّرت ذلك إلى الشَّرق، الذي سمَّته «الأوسط»؛ لتُكفِّر عن جرائمها بارتكاب جرائم أخرى.
- تلك هي البدائيَّة المتوحِّشة الأوربيَّة، التي وصفها قديمًا الرحَّالة (أحمد بن فضلان)، سفير الدولة العباسيَّة إلى الصقالبة، ما انفكَّت تُـمارس بربريَّاتها في العالم بطوله وعرضه.
- سيأتيك متفيهق هنا، يا (ذا القُروح)، ممَّن حُنِّكوا بمصطلح «عقليَّة المؤامرة»، ليُنكِر عليك الوعي بما يُحاك حولك!
- ثمَّة عقليَّة مؤامرة بالفعل بين ظهرانينا، كما كانت ثمَّة «عقليَّة شُعوبيَّة» قديمًا، هدفهما معًا تبرئة الذات، وإلقاء اللَّوم على مشجب الآخَر. غير أنَّ من العيوب الثقافيَّة الغُلوَّ في أمر الإيمان أو الإنكار، حتَّى لم يعُد يصحُّ في الأذهان شيء. لأنَّ الحياة قائمة على مبادئ نسبيَّة. أجل، ثمَّة مؤامرات منذ الأزل وإلى الأبد، غير أنَّ ذلك لا ينبغي أن يُعمينا عن تآمرنا على أنفسنا قبل تآمر غيرنا علينا. وثمَّة شُعوبيَّات كذلك منذ الأزل إلى الأبد، لكن ذلك لا ينبغي أن يُعفينا من شُعوبيَّاتنا في المقابل، تبرئةً للذات، وإلقاءً اللَّوم على مشجب الشُّعوب الأخرى. على طريقة (علَّان بن الحسن الشُّعوبي)، في كتابه «حَلَبَة المثالب»، يقابله (ابن قتيبة الدَّيْنَوَري) في رسالة «تفضيل العَرَب»!
- نعود إلى موضوعنا!
- نعود. قلنا: إنَّ عُصبة الأُمم الأوربيَّة تبنَّت ربيبةً لها عنصريَّة بطبعها، هي الكيان الصهيوني، لتحتلَّ بها البلاد التي كانت مستعمراتها بالأمس. ثمَّ لا تخجل من أن تلقِّب أهالي البلاد الأصليِّين- إنْ هم قاوموا الاحتلال أو حتى احتجُّوا عليه- بـ«الإرهابيِّين»، أو «المخرِّبين»! وهم إرهابيُّون حقًّا؛ لأنَّهم يُرهبون عدوَّ الله وعدوَّهم، ومخرِّبون حقًّا؛ لأنَّهم يحاولون أن يخرِّبوا اللُّعبة التي صنعتها الهمجيَّة الغربيَّة، بما في ذلك لُعَب الدُّوَل التي صنعتها؛ لتلعب من خلالها بشعوب العالم ومقدَّراته، متى شاءت، وكما يحلو لها.
- ماذا عن قضيَّة الجُنوسة والمساواة بين الجنسَين؟
- هي زوايا متقاطعة من النفاق الثقافي، والتطفيف في الموازين الغربيَّة.
- كيف؟
- كنتُ- مثلًا- أتساءل كثيرًا مع الناشطات والناشطين في المناداة بالنِّسويَّة في (الولايات المتحدة الأميركيَّة)، منذ ربع قرنٍ تقريبًا: ما بالكم تأخذون على الشَّرق الإسلامي هضم حقوق المرأة، والمرأة فيه قد وصلت إلى سُدَّة الحُكم مرارًا، قديمًا وحديثًا، فيما لم تصل الثقافة الأميركيَّة قط إلى منح المرأة ثقة أن تكون رئيسةً للولايات المتَّحدة؟!
- والإجابة؟
- الإجابة النمطيَّة: أنَّ معايير الرئاسة الأميركيَّة تظلُّ ذُكوريَّة، حتى في القدرات الخطابيَّة والبيانيَّة، فضلًا عن الأعباء الأخرى التي لم يُقنِع تأهيلُ المرأة في تحمُّلها الناخبَ الأميركي بما يكفي لإيصالها إلى البيت الأبيض رئيسةً.
- وهذا اعترافٌ ذُكوريٌّ صاخبٌ من قلب الثقافة المنادية باسترجال النِّساء في العالم لنوال حقوقهن، يقول: إنَّ على المرأة أن تصبح رَجُلًا أوَّلًا لتكون ذات مكانة أو في منصبٍ قياديٍ قومي.
- هو كذلك! وهي الثقافة ذاتها التي أخرجت المرأة في القرن الماضي إلى قيادة القطارات والعمل في المصانع والمناجم وغيرها من الأعمال الشاقَّة، وألبستْ ذلك كلَّه لبوس تحرير المرأة ومنحها حقوقها، ثمَّ صدَّرت الشِّعار إلى الشَّرق. وهي في الواقع إنما جرَّدت الرَّجُل عن مسؤوليَّاته الاقتصاديَّة والحياتيَّة على حساب أُنوثة المرأة وحاجاتها وضروراتها الطبيعيَّة. فيما أخرجت تلك الثقافة فريقًا آخَر من النِّساء من ثيابهن وعفافهن لإمتاع الرِّجال في الشارع والملهَى والبار، وألبست ذلك كذلك لَبوس تحرير المرأة ومنحها حقوقها، ثمَّ صدَّرت الشِّعار ليتلقَّفه الشَّرق الببغاوي ويحاكيه. والعجيب أن تصفِّق المرأة للرَّجُل الذي إنَّما يريد الاستمتاع بها، وتسخيرها في خدمته ولذَّته، فتصفه بالمتحرِّر، وأنَّه نصيرها. وهو إنَّما يسعَى، في قمَّة ذُكوريَّته، إلى تحميلها أعباءه من المسؤوليَّات ليتخفَّف منها، ومن جهةٍ أخرى يهفو إلى ابتزازها لملذَّاته الذاتيَّة. فهو لا يختلف عن الرَّجُل «المحافظ»- في مجتمعات أصبحت المحافظة سُبَّة- إلَّا من حيث أنَّ الذُّكوريَّ الليبراليَّ ذُكوريٌّ بلا خُلق ولا مبدأ؛ ولذا سرعان ما تنكشف مآربه حينما يتعلَّق الأمر بابنته أو بأخته، فيقع في مرآة التناقض.
- إلَّا إنْ كان قد غسل يديه من الدِّين والخُلق والفطرة السَّويَّة!
- وهذا نادر، والنادر لا حُكم له. ولا غرو، فتلك ثقافةٌ وريثة ثقافةٍ كانت تتساءل تاريخيًّا عن هويَّة المرأة: أ إنسان هي؟ أم حيوان؟ أم شيطان؟! ولذلك ليس بغريب أن تُترجِم ذلك فيما بعد- وإن بفلسفةٍ أخرى- لتفرض على المرأة: أن تلج ميدان السُّخرة نهارًا، وأن تعمل في «سيرك» تسلية الرجال، ليلًا. فيا لها من حضارةٍ! ويا لها من مساواة!
- يا ويلك من الجنس الآخَر، يا (ذا القُروح)!
- لا يعنيني الجنس الآخَر، بل الجنس الأوَّل، (الإنسان)، الحُر، وغير المستلَب!
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى- الأستاذ بجامعة الملِك سعود)