جواهر الرشيد
تمكَّن الشَّاعرُ العربيُّ بمَا يحملُه مِن حظٍّ كبيرٍ من التَّأمُّلِ والحدسِ من تصويرِ قيمةِ الحياةِ وحقيقةِ الموتِ ولينِ العدلِ وقساوةِ الظُّلمِ ولهفةِ الحضورِ وألمِ الفقدِ وغيرِها من الثُّنائيَّاتِ الممزوجةِ بقيمٍ روحيَّةٍ أضنت العقلَ البشريَّ في الوصولِ إلى حقيقةٍ ثابتةٍ أغرقتهُ في بحرٍ من التَّساؤلاتِ الفلسفيَّةِ المعقَّدةِ، إذ غدت المتناقضاتُ قضايا ملتبسَة، يكتنفها الغموضُ.
ارتبطت القصائدُ الوجدانيَّةُ في الأدبِ العربيّ بوجدانِ كلِّ عربيٍّ رقيقٍ مرهفِ الحسِّ والطَّبع، لامست مواضيعُها حقائقَ عاشها العربيُّ القديمُ والحديثُ والمعاصرُ، جمعت أنماطًا من التَّعبيرِ عمَّا يمرُّ بوجدانِ الإنسانِ من حالاتٍ متناقضةٍ تجمعُ بين الخيرِ والشَّرِّ والحبِّ والبُغضِ والفرحِ والتَّرحِ واللَّذَّةِ والألمِ والعدلِ والظُّلمِ والحضورِ والغيابِ والحياةِ والموتِ.
شغلت الثُّنائيَّاتُ المتناقضةُ حيِّزًا كبيرًا من فكرِ شعراءِ الاتِّجاهِ الوجدانيّ في الشِّعرِ الحديث، الذين ساروا نحو وصفِ عواطفِ النَّفسِ وتقلُّباتِها، وسَبرِ خواطرِ المرءِ وآرائِه وتجاربِه في أسمى وأعمق المعاني الشَّعريَّةِ. جسّدوا الطَّبيعةَ تعبيرًا يرمزُ إلى الهروبِ من الوحدةِ والوحشةِ، واللّوذِ بالحُريَّةِ والسَّلام، محلِّقين بأجنحتِهم المتكسِّرةِ نحوَ الخيالِ؛ لِرسمِ عالمٍ يعتقُ قيودًا اجتماعيَّةٍ وضغوطًا نفسيَّةٍ، عالمٍ رحبٍ يدعو إلى الدَّعةِ والأملِ محتفظٍ ببقايا ذكرياتٍ دفينةٍ، أغرقتهم في الذَّاتيَّةِ بروحٍ هائمةٍ وقلبٍ مرهفٍ بالحسِّ، يحمل بين طيَّاتِه بذورَ نزعاتٍ إنسانيَّةٍ.
يُعَدُّ الشَّاعرُ والطَّبيبُ (إبراهيم ناجي) علمًا من أعلامِ الاتِّجاه الوجدانيّ الرُّومانسيّ، عُرِفَ بشاعرِ الوجدانِ الذَّاتي، وانتمى إلى شعراءِ مدرسةِ أبولو، الذين اتَّسموا باليأسِ والتَّشاؤمِ. واءَمَ ناجي بين مداواةِ الجسدِ وتضميدِ الرُّوح، فامتزجَ الطِّبُّ في يدِه بالشِّعر في روحِه، وعالجَ الوجعَ بإيقاعٍ نابضٍ في القصيدةِ، يقولُ عن نفسه:
«وأنا الذي قصَّى الحياةَ مُــعبِّرًا
ومرجعــًا لخــوالجِ الوجدانِ
والنَّاسُ تسألُ والهواجسُ جـمَّةٌ
طِــبٌّ وشعـــرٌ كيف يتَّفقانِ
والشِّعرُ مَرحمةُ النُّفوسِ وسرِّهُ
هِبةُ السَّــماءِ ومـــِنحةُ الدَّيانِ
والطِّبُّ مَرحمةُ الجسومِ ونبعُه
من ذلكَ الفيضِ العليِّ الشَّانِِ»
صوَّرت الطَّبيعةُ الحالةَ الشُّعوريَّةَ لروحِ الشَّاعرِ المتألِّمةِ والحزينةِ والشَّاكيةِ، الحالمةِ بعالمٍ يخفِّفُ حدَّةَ الألمِ من وطأةِ مرارةِ الواقعِ، سيطرت نزعةُ الحزنِ في الذَّاتِ المنكسرةِ والقلقةِ في قصائدِه، فعكست صراعَه النَّفسيّ بين الأملِ واليأسِ. كشفَ ناجي في قصائدِه عن أحلام نسجتها الأوهامُ، فتبدَّت كسرابٍ ضائعٍ في رحبٍ فسيح، مُصوِّرًا معاناةَ عالمٍ لا يقدِّرُ سخاءَ الحبِّ، يقولُ في قصيدةِ (آمال كاذبة):
ماتَ الرَّجاءُ مع المساءِ وإنَّما
كانَ المماتُ لحبِّنا ميلادا
وأنا غريبٌ في الزِّحامِ كأنَّني
آمالُ أجفانٍ حُرِمنَ رِقادا
ويقولُ في قصيدة (الأطلال):
يا فؤادي رحمَ اللهُ الهــوى
كان صرحًا من خيالٍ فهوى
اسقني واشربْ على أطلالِه
واروِ عنّي طالما الدَّمعُ روى
كيف ذاك الحبُّ أمسى خبرًا
وحديثًا من أحاديثِ الجوى
أينَ مِن عيني حبيبٌ ساحرٌ
فيه نبلٌ وجلالٌ وحياء
واثقُ الخَطوةِ يمشي ملكًا
ظالمُ الحسنِ شهيُّ الكبرياء
أعطني حرِّيتِي أطلق يديَّ
إنَّني أعطيتُ ما استبقيتُ شيَّ
ما احتفاظي بعهودٍ لم تصُنها
وإلامَ الأسرُ والدُّنيا لديَّ
لا رعَى اللهُ مساءً قاسيًا
قد أراني كلَّ أحلامي سُدَى
جسَّد ناجي ذاتَه الذَّابلةَ في مشاهد رمزيَّةٍ توحي بالنِّهاياتِ، فكانَ الغروبُ حاملًا مشاعرَ اليأسِ والحزنِ، كشفَ عن حَيرتِه في مناجاتِه للبحرِ الذي غدا مرآةً لرغبتِه في التَّفريغِ عمَّا تراكمَ في نفسِه التي ودَّعتِ الأملَ في صورةِ شمسٍ ولَّت، تاركةً خلفَها ظلمةً حالكةً مع ذاتِه الضَّعيفةِ في خضمِّ أحداثِ الحياةِ بوقعِها الشِّجي المؤلمِ، يقولُ في قصيدةِ (خواطر الغروب):
قلتُ للبحرِ إذ وقفتُ مساءَ
كم أطلتَ الوقوفَ والإصغاءَ
وجعلتَ النَّسيمَ زادًا لروحِي
وشربتَ الظِّلالَ والأضواءَ
إنَّما يفهمُ الشَّبيهُ شبيهًا
أيُّها البحرُ نحنُ لسنَا سواءَ
أنتَ باقٍ ونحنُ حربُ اللَّيالي
مزَّقتنَا، وصيَّرتنا هباءَ
أنتَ عاتٍ ونحنُ كالزَّبَدِ الذَّاهبِ
يعلو حينًا وَيَمضِي جفاءَ
وعجيبٌ إليكَ يمَّمتُ وجهي
إذْ مللتُ الحياةَ والأحياءَ!
غلبت على عصرِ ناجي همومٌ سياسيَّةٍ واقتصاديَّةٍ وحضاريَّةٍ، هدَّدت حياةَ المجتمعِ تهديدًا مباشرًا للحياةِ نحوَ الضَّياعِ والذُّلِّ والفقرِ، جعلته ينظُمُ بلسانِ فؤادِه أنغامًا تعبيريَّة يفيضُ به الوجدانُ نحو ألحان شعريَّةٍ، خاطبَ بها الحبيبةَ المتمثِّلةَ في الأثرِ العالقِ في الرُّوحِ بعد خوض التَّجاربِ وما تحملها من وجعٍ وانكساراتٍ وهزائم، فهي رمزٌ لصرحٍ هوى ودمعٍ روى وقيدٍ دمى وحُبٍّ جوى وزمنٍ ضاعَ وانتهى. فالشِّعرُ بثٌّ للأحاسيسِ والأحزانِ والأشواقِ الهائمةِ والنَّفسِ الظَّامئةِ التي يُعزِّي به ذاتَه الهشَّةَ والعاجزة. لقبَّه العقَّادُ بـ (شاعر الرِّقةِ العاطفيَّة) وذكرَ ناجي علاقتَه بالشِّعرِ فقالَ: « إنَّه النَّافذةُ التي أطلُّ منها على الحياةِ وأشرفُ منها على الأبدِ وما وراءَ الأبد، وهو الهواءُ الذي أتنفَّسُه، وهو البلسمُ الذي داويتُ به جراحَ نفسي عندما عزَّ الأَساةُ».
اعتادَ ناجي على الألمِ الإنسانيّ الذي تحمله الرُّوحُ والجسدُ، فبنى للحياةِ صورةً مرتبطةً بالألمِ والحرمان، تعبِّرُ عن رحلةِ شقاءٍ سرعانَ ما تنقضي منها لحظاتُ الفرحِ والجمالِ والصَّفاءِ، فانبثقت رؤيتُه من وعيهِ العميقِ بحياةٍ لا تُدرَكُ إلَّا حينَ تتجلَّى حقيقةُ الموتِ في ظلِّ إيمانٍ يلبِّي صوتَ السَّماءِ، مُتجاوزًا الخوفَ، مُصحِّحًا مسارَ العقلِ البشريّ بعيدًا عن الأوهامِ. يقول:
هو هــمسُ الشَّــقاءِ ما هو شكٌّ لا ولا ثروةٌ فعدلُــكَ أخلــدُ
ودَّعَ ناجي قصائدَه في (صلاة الحبّ) التي عكست مشاعرَه الدَّاخلية المتّصلة بالرِّوحِ والعاطفةِ. مارسَ فيها الانكسارَ والتَّفكّرَ كصلاةٍ تمنحُ النَّفسَ راحةً وارتقاءً. صوَّرَ الحبَّ مع ذاتِه برحلةٍ روحيَّةٍ تقودُ النَّفسَ إلى الرِّفعةِ والوعي الموقنِ بالعدلِ الإلهي، يقولُ فيها:
أحقًّا كنتَ فــي قربي
لعلّي واهـمًا وهمــا
أرى في عمقِ خاطركَ
جلالاً يشــبه البحرا
وأنتَ رضىً وتقبيلُ
وأنت ضنىً وحرمانُ
وفي عينيكَ تقتيلُ
وفي البسماتِ غفرانُ
وأنتَ حرارةُ الشَّمسِ
وأنتَ هناءةُ الظِّــلِّ
وأنــت تجــاربُ الأمسِ
وأنتَ براءةُ الطِّــفلِ
سَموتُ كأنَّمَا أمــضِي
إلى ربٍّ يُنادِيني
فَلا قلبِي مِن الأرضِ
ولا جسدِي من الطِّينِ
سَموتُ ودقَّ إحساسي
وجُزتُ عوالمَ البشَرِ
نسيتُ صغائرَ النَّاسِ
غفرتُ إساءةَ القدَرِ
مثَّلت ثنائيَّةُُ الموتِ والحياةِ حضورًا بيِّنًا في دواوينِ ناجي الشِّعريَّةِ، عاشَ إزاءَها بمشاعر متناقضةٍ تضمُّ في طيَّاتِها وعيَ الفناءِ وحبَّ البقاءِ، فللحياةِ وقفاتٌ تأمُّليَّةٍ ورؤىً فكريَّةٍ وحقائقُ كونيَّةٍ ونظراتٌ فلسفيَّةٍ تنبضُ بقيمٍ روحيَّةٍ، عبَّرَ عنها عمقُه الوجدانيّ في قصائدِه المرتبطةِ بالألمِ، القائمةِ على الإحساسِ والانفعالِ والتَّأثيرِ، والنَّاجمةِ عن وصولِ ذاتِه الرَّقيبةِ إلى مرحلةٍ من الجهلِ المعرفيّ، أفقدته غائيته في الوجودِ، ونزعت منه رُشدَ المعرفةِ حتى ساوى الجهلُ بالحقائقِ معرفتَها في ظلِّ واقعٍ لا يتغيَّر، يقول:
سِيَّانَ مَا أجهلُ وَمَا أعلمُ
مِن غَامضِ اللَّيلِ ولغـزِ النَّهار
سَيستمرُّ المَسرحُ الأعظمُ
روايةً طالَت وأينَ السِّتار؟
عَييتُ بالدُّنيا وأسرارِها
وما احتيالي في صموتِ الرِّمال!
أَنشدُ في رائعِ أنوارِها
رُشدًا فمَا أغنــمُ إلَّا الضَّلال!
يَا حسرتَا مِمَّا يُلاقِي العِباد
أكلُّ هذا في سبيلِ الحياه!