د.حسن مشهور
في ظل استمرارية الأندية الأدبية في إكمال عمليات وإجراء تحولها للهيكلة الجديدة كجمعيات أدبية تابعة للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، تأتي المقاهي الأدبية لتشكل البديل وإن كان بديلًا له ماله وعليه ماعليه ولكنها فكرة محدثة في الواقعية الأدبية السعودية كنت قد أشدت بها -إلى حد ما- في مقال سابق، إلا إنه الآن وبعد مرور قرابة الخمسة الأعوام على انطلاقتها فإنه من الأهمية بمكان أن يتم تحديد ومعرفة مدى نجاحها في تحقيق الأهداف المتوخاة من تفعيلها إجرائيًا وتقييم إيجابياتها وسلبياتها على حد سواء.
نحن نعي جيدًا بأن هذه المبادرة أو التجربة -أو فليسمها جمهور الأدباء والمثقفين كما يشاؤون- قد بدأت عربيًا في القاهرة وبيروت ودمشق وعواصم عربية أخرى كتجربة مستقاة من الغرب في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تزامنًا مع حركات النهضة العربية، وازدهار الصحافة، واتساع دائرة التعليم، وعودة المثقفين من أوروبا كبديل شعبي مفتوح للصالونات الأدبية التي كانت محصورة بالنخب.
وربما يكون الباعث لهيئة الأدب والنشر والترجمة في إعادة إحياء هذه التجربة العربية المندثرة في مارس من العام 2021، هو وعيها إقبال عموم جيل الشباب خلال السنوات الأخيرة على المقاهي ومتاجر القهوة، إلى جانب ترهل وجمود الأندية الأدبية عن الإتيان بالجديد من الفعاليات غير التقليدية وقصر أغلب فعالياتها شخصيات بعينها وأفراد قلائل. ومن هنا فالسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بكل تجرد الآن؛ هل استطاعت هذه المقاهي الثقافية أن تضيف للثقافة السعودية شيئًا؟
يمكننا إلى حد ما أن نقول بأن هذه التجربة قد نجحت في كسر الصورة النمطية عن الفضاءات الثقافية الرسمية المغلقة، ومنحت الفرصة لكتاب وشعراء شباب للظهور، وعملت على كسر احتكار المنصات الرسمية للأسماء المعروفة، وقربت الثقافة من الشباب والمهتمين غير المتخصصين، لكنها في تقديري ما زالت بحاجة إلى المزيد من التطوير والنضج سواء في المحتوى أو الهوية.
فنحن حين نتأمل أداءاتها بشكل عام خلال الأعوام الخمسة المنصرمة؛ فسنجد بأن بعض فعالياتها قد كانت تتمظهر على شاكلة النشاط الاجتماعي الخفيف، أكثر من أن تكون حدثًا ثقافيًا حقيقًا مع تكرار للموضوعات المطروقة من قبل منفذيها ومحدودية عمق وسطحية محتوى هذه الموضوعات وضعف العمق النقدي أحيانًا لمن يتم استضافتهم باعتبارهم نقاد أدبيين.
إلى جانب إن هناك غيابًا وضبابية في وضوح الهوية الثقافية لهذه المقاهي، إذ إن الكثير من المقاهي لا تمتلك خطًا ثقافيًا مميزًا، بحيث بتنا لا نعرف إن كان هذا المقهى الثقافي خطه أدبي، أم هو صاحب خط نقدي، أم فلسفي، فلا شيء واضح وكل يسبح في كافة الاتجاهات ويجذف في مختلف البحار. وربما تكون الإشكالية الكبرى التي ولدت مجمل هذا التداخل في الحدث والفعالية للمقاهي الثقافية، إنها دشنت كتجربة معتمدة على «الحدث»، عوضًا عن اعتمادها على المشروع الثقافي طويل الأمد.
والأكثر من ذلك إن نشاط هذه المقاهي يكاد يغلب عليه الموسمية وعدم الاستمرارية، فنحن نجدها تمارس في فترات زمنية بعينها نشاطًا قويًا، ثم ما نلبث أن نجدها وقد دخلت في فتور طويل، في حين إن الثقافة تحتاج في الغالب إلى النفس الطويل، وليس كما تتعامل بعض المقاهي معها باعتبارها أداة تسويق.
ولو أخذنا إلى جانب ذلك نسب التفاوت في الحضور، الذي يتركز في المدن الكبرى كالرياض وجدة، ويكاد يضعف ويخفت صوته في بعض المناطق الأخرى رغم وجود جمهور محتمل، مع محدودية الجمهور النوعي إذ إن غالبية الحضور -أحيانًا- يغلب عليه الطابع الاجتماعي لا الثقافي، مع قلة النقاد والمتخصصين مقارنة بالمهتمين العامّين، فسندرك حينها بأن سلبيات هذه التجربة تكاد تتقارب أو فلنقل تتوازى ولن أقول تتساوى -كي لا أغضب البعض- مع إيجابياتها. وهذا الأمر في نظري هو بحاجة لوقفة ولمزيد من التأمل، إذا ما أردنا إحداث نقلة نوعية في الممارسة وفي الحدث الثقافي النوعي.