د. لينا بن طالب الحربي
في السنوات الأخيرة، لم يعد السؤال المطروح في المشهد السعودي: هل وصلت المرأة إلى مواقع القرار؟ بل أصبح السؤال الأعمق: ماذا يحدث بعد الوصول؟
فالمرحلة التي نعيشها اليوم لم تعد مرحلة كسر الحواجز الأولى، وإنما مرحلة اختبار الأثر، وإعادة تعريف معنى التمكين ذاته.
لقد شهدت المملكة تحولات نوعية في مشاركة المرأة في سوق العمل والقطاعات الحيوية، وارتفعت نسب تمثيلها في مجالات كانت حتى وقت قريب محدودة الحضور. لكن التجربة العملية تكشف أن الوصول إلى المنصب لا يعني بالضرورة اكتمال التمكين، وأن الجلوس على الكرسي لا يضمن بالضرورة توازن الميزان من حوله.
الفرق بين «الوصول» و»التمكين الحقيقي» يكمن في البيئة.
فقد تحصل القيادية على مسمى وظيفي رفيع، بينما تبقى الصلاحيات محدودة، أو تُختبر قراراتها بمعايير أشد، أو تُقاس أخطاؤها بحدة أكبر من غيرها. هنا يتحول المنصب من مساحة تأثير إلى مساحة إثبات دائم، وتتحول التجربة من فرصة إنتاج إلى معركة صامتة لإثبات الجدارة.
التمكين بعد التمكين يعني أن تنتقل المؤسسة من مرحلة إتاحة الفرصة إلى مرحلة ترسيخ الثقة.
الثقة في القرار، والثقة في إدارة الملفات الثقيلة، والثقة في القدرة على التعامل مع الأزمات. فالكفاءة لا تنمو في بيئة متحفزة للشك، بل في بيئة تتيح التجربة، وتسمح بالتعلم، وتُقيّم بالأداء لا بالتصورات المسبقة.
ومن أبرز التحديات التي تظهر في هذه المرحلة ما يمكن تسميته «الفجوة غير المرئية».
هي فجوة لا تُكتب في اللوائح، لكنها تُمارس في التفاصيل:
في طريقة توزيع الملفات،
وفي حجم التفويض،
وفي مساحة الحضور داخل غرف القرار،
وفي شبكة العلاقات المهنية الداعمة.
عندما تُمنح المرأة المنصب دون أدوات التأثير الحقيقية، تصبح التجربة مرهقة على المستوى الشخصي والمؤسسي معًا. إذ يُستنزف الجهد في إثبات الاستحقاق بدلاً من توجيهه نحو تطوير الأداء وصناعة الإنجاز.
التمكين الناضج لا يقتصر على زيادة الأرقام، بل يقاس بتحسن جودة القرار، وارتفاع كفاءة العمل، وتوسع دائرة المواهب داخل المؤسسة. فالمعيار الحقيقي ليس عدد المقاعد التي تشغلها المرأة، بل نوعية القرارات التي تُسهم في صناعتها، ومدى انعكاس حضورها على نتائج قابلة للقياس.
كما أن تمكين المرأة لا ينفصل عن تمكين الشباب. فكلاهما يمثل طاقة وطنية تحتاج إلى مسار واضح للنمو، وثقافة مؤسسية عادلة، ونظام تقييم يستند إلى الأداء. وعندما تتبنى المؤسسات معيارًا موحدًا للمساءلة، وتُفعّل مبدأ تكافؤ الفرص في الصلاحيات كما في المسميات، فإنها لا تخدم فئة بعينها، بل تعزز قدرتها التنافسية على المدى الطويل.
المرحلة القادمة تتطلب انتقالًا واعيًا من الاحتفاء بالوصول إلى ضمان الاستدامة.
ومن تمكين الفرد إلى تمكين المنظومة.
ومن التركيز على الصورة إلى التركيز على الأثر.
إن ما بعد التمكين ليس تحديًا للمرأة وحدها، بل اختبار لنضج المؤسسات.
فإما أن يتحول التمكين إلى ثقافة راسخة تعيد تشكيل بيئة العمل بعدالة وكفاءة،
وإما أن يبقى عنوانًا جميلًا لا يلامس عمق الممارسة.
النجاح الحقيقي اليوم ليس أن نقول إن المرأة وصلت،
بل أن نرى أثرها حين تقرر،
ونقيس نتائجها حين تقود،
ونطمئن إلى أن الميزان بات قائمًا على الجدارة وحدها.