د. هيا بنت عبدالرحمن السمهري
في هذا اليوم الأغر الثاني والعشرين من شهر فبراير تحلُّ ذكرى تأسيس بلادنا الغالية حيث أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- أمراً ملكياً بأن يكون يوم 22 فبراير من كل عام يوماً لذكرى تأسيس الدولة السعودية، باسم يوم التأسيس، ويصبح إجازة رسمية، ويوافق هذا اليوم تاريخ 30 جمادى الآخرة من عام 1139هـ، بناءً على ما استنتجه المؤرخون وفقاً للمعطيات التاريخية التي حدثت خلال تلك الفترة..
ويبقى الوطن هو الحاضر الجميل الذي يحيطنا منذ مدارجنا عليه وما يزال! ويظل الانتماء للوطن هو التوقيع المحكي والمرسوم خلفية باذخة لكل فواتح الولاء الفِطْري الذي يحمله الشعب السعودي فوق الأعناق، وتنسجم تلك الخلفية مع طبيعة الرصد المجتمعي لكل الطاقات التي تنشأ وتتشكل في صور شتى من العلائق عندما تتعالى قيمة الاحتفاء بتأسيس الكيان الوطني وبدايات المسير نحو القمة بتوفيق الله وتتصدر القيم الإنسانية كل المعطيات التي تنشق عنها حضارة أرضنا منذ البدايات فعندما يحملنا الحديث عن حقبة التأسيس وقواعدها وتجلياتها فيجب أن ندرك حقيقة قيام نوع من الحُكم والحكومة في القرون التي سبقتْ توحيد وطننا الغالي على يد الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه- الذي جاء وأهل الجزيرة العربية قد ألفوا الحكم والحكومات في حقبة التأسيس التي تحتفي بلادنا بذكراها في هذا اليوم الثاني والعشرين من شهر فبراير من كل عام الذي يصادف اليوم الأحد منذ عهد الإمام محمد بن سعود والأمراء من بعده من آل سعود؛ فلما انشق الزمن عن معطيات عهود الوحدة توالت العطاءات في الجزيرة العربية غِزارا! ونبتتْ وشائج الأمن والاستقرار في كل منعطف وبقيت الأرض بين التأسيس والوحدة خضراء عامرة؛ فكانت بلادنا المملكة العربية السعودية وجهة روحية حضارية باسقة ترسل شموسها للعالم وتتمثّل زمن الاحتفاء بذكرى تأسيس بلادنا الكيان الشامخ الذي يتجاوز معطيات الصراع مستويات عظيمة من الحضارة والتحضر والمسير قُدما نحو المعالي عندما استطاع الملك عبدالعزيز رحمه الله أن يفجر من غمار الرمال أمة جديدة! وصنع رحمه الله القرارات الداعمة للبناء الوطني في محيطه الكبير، فكانت ذكرى التأسيس تاريخاً مجيداً يصطف مع معطيات فجرنا الجديد ليكتب عراقة تاريخنا الذي صنعه رجال أبطال باختيار العقول الواعية لتجعل من يوم التأسيس نهرا يصبُّ في إهاب الوطن في عهوده المزهرة بعد توحيد الكيان؛ ولقد أدركتْ قيادتنا الرشيدة سيرورة الوجود التاريخي لبلادنا منذ تأسيسها في إمارة الدرعية منذ ثلاثة قرون مضت إلى العهد الحاضر وكيف انتظمت المجموعات البشرية في البيئات المختلفة؛ فكانت منهجية الحكم وعدل الحاكم مركبا للوصول إلى ترسية قواعد الحكم الرشيد، وعقد أواصر مثلى من الانتماء الوطني لذلك التاريخ العريق. فالتأسيس حدث وأحداث وأحلام وطنية نحو المحلية الفاخرة والعالمية المتمكنة، والتأسيس أفعال إيجابية صنعها الأجاد نحو طموحات الوطن في الحاضر ومفاتيح الاستباق لتحقيقها من أجل المستقبل؛ والتاريخ العريق يفهمه نخبة العارفين، ويحمله عامة الناس هدية وتجليات مفكرة وطنية زاخرة بمفردات الانتماء الصادق، وفعاليات يوم التأسيس منبرٌ قوي لصناعة الفرحة، وتمتين الولاء الوطني في وجدان الشعب، وجذبهم لكل نقطة ضوء في ردهات الوطن؛ ورفع الإحساس بمقدرات الأرض وبناء هرم تراكمي من الوعي بالأمن والسلام الذي ينداح على أرض بلادنا الغالية؛ ويرسخ في حينها سلوكنا واستجابتنا في طقوس مختارة من الولاء الوطني العميق ففي مرتبعات الوطن ومفاوزه وحدوده يوقد التاريخ الوطني الناضج نارا يراها الجميع ويمتاح منها الدفء.
فالمعرفة الغزيرة بالامتداد التاريخي لوطننا منذ التأسيس (1139) توحيد هذا الكيان الشامخ المملكة العربية السعودية (1351) هو امتداد يعانق السماء، ويعلّم الناس كيف يحبون بعضهم ومن ثم يحبون وطنهم ويكونون فرسانا على ثغوره؛ ويرصفون أهدافهم نحوه بماء الذهب؛ فالتاريخ الوطني من جذوره وتأسيسه عنوان توجيه للمجتمع، وحصيلة مجزية نحو صناعة الولاء الوطني والافتخار والفخار بهذا الوطن الذي لا تشبهه الأوطان بناه حكاّمه وصنع نهضته رجاله، ولم ترسمه على خارطة العالم قوى أجنبية!
يقول خادم الحرمين الشريفين حفظه الله:
«نعتزّ بذكرى تأسيس هذه الدولة المباركة في العام 1139هـ (1727م)، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم؛ أرست ركائز السلم والاستقرار وتحقيق العدل.»
وإن احتفاءنا بهذه الذكرى؛ هو احتفاءٌ بتاريخ دولة، وتلاحم شعب، والصمود أمام كل التحديات، والمستقبل الثمين.