د. فهد بن أحمد النغيمش
كثيراً ما يطرق أسماعنا في المنتديات والمجالس والقروبات فلان طق صدره للجميع لخدمتهم وتسخير كافة قدراته لهم، وقد يجري اتصالاً كاذباً أمام الجميع لا لشيء وإنما طلبا للمدح والمفاخرة، وهؤلاء هم المادحون لأنفسهم بما ليس فيهم فإن كانوا شعراء فقد أنبأنا الله بخبرهم فقال سبحانه: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} فلا غرابة في أنهم يقولون ما لا يفعلون من المدح والتفاخر والتباهي وذلكم مشاهد في حاضرنا وفي قديم الزمان، لكن ما أعنيه اليوم في هذا المقال هو اتساع دائرة الوعود الكاذبة وادعاء القدرة على اختراق الأنظمة والحواجز النظامية أيا كانت حتى يقال فلان صاحب واسطة ويملك معارف واسعة!
الصدق في الكلام ليس مجرد كلمات يديرها الإنسان على لسانه، ويتحلى بها أمام الناس ويتشدق بها في المناسبات دون أن يكون لها واقع حي وملموس يراه الناس، بل هو في حقيقته مؤشر حقيقي على صدق الإيمان وعمقه في نفس صاحبه.
الله سبحانه أنزل آية كريمة فيها لوم لجيل نقي يسمى -الصحابة- فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، والتي نزلت في شأن عظيم وهو الجهاد ولمجرد أن شعروا بالكره حيث كان أناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أنَّ الله عز وجل دلَّنا على أحبِّ الأعمال إليه فنعمل بها، فأخبر الله تعالى نبيه، -صلى الله عليه وسلم- أن أحب الأعمال: إيمانٌ به، لا شك فيه، وجهادُ أهل معصيته، الذين خالفوا الإيمان، ولم يُقِرّوا به. فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المؤمنين، وشقَّ عليهم أمره، فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ..}.
التناقض بين القول والعمل يسميه بعض علماء النفس (الانفصام) وحسبك أن الله تعالى سمّى ذلك الانفصام بين القول والعمل مقتاً، بل جعله أكبر المقت وأشدّ البغض، فقال: (كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ).
لذا نحن كثيراً ما نسمع (اتركك من فلان تراه بياع كلام) كناية عن الشخص الذي يكثر من الكلام دون الأفعال وهو في حقيقته قد وقع في شر الكذب، والذي زاده أن اكتسب منه عدم ثقة الناس به، ولذا حذر صلى الله عليه وسلم من تلكم الصفة المذمومة فقد روى الإمام أحمد ، وأبو داود، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أتانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيتنا وأنا صبي قال: فذهبت لأخرج لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله: تعال أعطك. فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وما أردت أن تعطيه؟». قالت: تمرا. فقال: «أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة».
لماذا لا يسود بيننا الصدق والصراحة في تعاملاتنا فرحم الله امرأ عرف قدر نفسه واكسبها بين الناس ذكرا حسنا وفعالاً صادقة يحمده الناس عليها، لا أن يعلّق الناس بوعود كاذبة ومزيفة ليرفع بها ذكره ويعلي بها شأنه وهو في حقيقته إنما بنى لنفسه موضعاً أشبه بشفا الجرف الهاري الذي لا يلبث وقتا طويلا إلا وينهار بصاحبه وينكشف كذبه للناس!
يروى عن الحجاج أنه أمر حراسه أن يجوبوا طرقات الكوفة بعد صلاة العشاء فمن وجدوه في طرقاتها يضربوا عنقه، فصادفوا ثلاثة شبان تبدو عليهم أثار شرب الخمر.. فأوقفوهم وصاحوا بهم من أنتم لتخالفوا رأي الأمير: فقال الأول: أنا ابن من دانت الرقاب له.. ما بين مخزومها وهاشمها.. تأتي إليه الرقاب صاغرة.. يأخذ من مالها ومن دمها.. فخاف الحراس من قوله، وقالوا لعله من أقارب امير المؤمنين.. أما الثاني فقال: أنا ابن من لا ينزل الدهر قدره.. وان نزلت يوما فسوف تعود.. ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره.. فمنهم قيام حولها وقعود.. فهابه الحراس وقالوا لعله من أشراف العرب.
ثم قال الثالث: أنا ابن من خاض الصفوف بعزمه.. وقومها بالسيف حتى استقامت.. ركاباه لا تنفك رجلاه منهما.. إذا الخيل في يوم الكريهة ولت.. فهاب الحراس أن يؤذوهم وأخذوهم إلى الحجاج في الصباح.. فسألهم الحجاج: من أنتم فإذا الأول ابن حجام (من يعمل بالحجامة) والثاني ابن فوال يطبخ الفول ويبيعه للناس. والثالث ابن حائك ملابس.. فتعجب الحجاج من فصاحتهم وخلى سبيلهم.. وقال لمن حوله:
كُن اِبنَ مَن شِئتَ واِكتَسِب أَدَباً
يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَسَبِ
فَلَيسَ يُغني الحَسيبُ نِسبَتَهُ
بِلا لِسانٍ لَهُ وَلا أَدَبِ
إِنَّ الفَتى مَن يُقولُ ها أَنا ذا
لَيسَ الفَتى مَن يُقولُ كانَ أَبي
احذروا مجالسة بائعي الكلام وكونوا مثل ابن عمر حين مدَح رجلُ رجُلًا عندَه فجعَل ابنُ عمرَ يرفَعُ التُّرابَ نحوَه وقال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (إذا رأَيْتُم المدَّاحينَ فاحثُوا في وجوهِهم التُّرابَ)، ونحن لا نحث على حثو التراب في وجوههم وإنما ردعهم وبيان خطأ فعلهم، وما قد يسببونه من صدمات نفسية للموعودين بالوعود الكاذبة وفرش الأرض ورودا وزهوراً وهم في حقيقتهم (بائعوا كلام)!.