د. ناهد باشطح
فاصلة:
«تعلمت أن الإنسان يمكن أن يولد من جديد إذا غير نظرته إلى نفسه وإلى الله»
- مالكوم اكس -بعد إسلامه -
* * *
بدءاً كل عام وأنتم بخير
رمضان شهر مختلف في تفاصيله التي نعيشها، ذكرياته تبقى مختلفة عن أي شهر آخر، ومن يفقدون عزيزاً يرحل عنهم في رمضان يبقى احتفالهم بالشهر مثلي به غصة حتي يتعافون من جرح الفقد.
بنفس أسلوب هذه الزاوية الذي يبحث ما وراء الأخبار اسمحوا لي أن أخصص مقالاتي في شهر رمضان لما وراء هذا الشهر من عظيم المعاني، فالفقد علمني أن رحلة التعافي تبدأ إذا ارتحلنا إلى الله
صدمة الفقد وتكاثف الأسئلة الموجوعة خطىً تمهد لنا طريق إلى الله للتعرف إليه بدون خوف مربك من عقابه، بل تدبراً في حنوه ورحمته. الذين اختبرو حزن الفقد يعرفون أي ضياع يشعر به المصدوم، وكأنه يمشي حافيا على طريق الأشواك، ولا يستطيع أن يتوقف أو ينزع الأشواك من قدمه أو يفكر بحلول مثل ارتداء حذاء!
لذلك سأكتب في رمضان هذا عن كيفية فهم الحياة بشكل مختلف أو كما قال الفيلسوف اوشو «في اليوم الذي تفهم فيه الموت، ستفهم الحياة»
من الطبيعي أن تغيرك الصدمة، هي لا تغير مشاعرك فقط بل تغير إدراكك وحتى مبادئك، هذا التغيير إن أراد الله بك خيراً فتح لك به طريقاً إليه عبر طريقك إلى ذاتك، وحين تأنس إلى ذاتك بعيداً عن ضوضاء الحياة تبدأ أولى خطوات الوعي.
شهر رمضان كمساحة صمت وهدوء لديه القدرة على احتواء ضعفك الإنساني فالصيام فيه لا يقتصر على الطعام والشراب بل هو صيام عن ضوضاء الحياة وقرار لإبطاء الداخل المتسارع من أفكار ومشاعر ولإعادة ترتيب الروح لتسكن إلى الله.
السؤال المهم كيف يمكن أن يغيرني رمضان إلى الأفضل
كيف هو تقييمي لعلاقتي مع الله؟ إذ إن أقرب طريق إلى الله، ليس الفهم.. بل الصدق معه.
كيف يصبح الدعاء أقل كلامًا.. وأكثر حضورًا؟
كيف أتدبر أسماء الله الحسنى وتصبح جسراً لا معلومة، المسألة ليست معاني الاسم بل كيف نعيشه في حياتنا.
اسم الله اللطيف حين لم نفهم لماذا الأمور تسير هكذا وكيف يولد اليسر
اسم الله الوكيل حين سقطت الحاجة للسيطرة على أحداث حياتنا
اسم الله السلام حين لم يتغيّر الواقع لكن هدأ القلب
هي مجرد أمثلة تُخرج الأسماء من الذاكرة.. إلى الحياة.
في فقد الحزن نعيش المشاعر المرتبكة حتى نصل إلى الرضا والتسليم وهي مرحلة ليست هينة وتحتاج إلى تدريب وصبر.
الرضا هنا ليس قبولًا صامتاً أو جملاً نرددها بل توقف عن الصراع الداخلي.
والتسليم ليس استسلامًا بل ثقة متعبة.. ثم هدوء
ولما يجيء رمضان فيحتضننا ندرك أنه ليس شهر الإجابات، بل شهر تخفيف الأسئلة الثقيلة.
في هذا الشهر تستطيع ان تعيد ترتيب الداخل دون سعي لإقناع الخارج
في العالم العربي يعالج الفقد غالبا بالصمت أو الوعظ الديني لكنه في الغرب يصبح أداة للتحليل و للتغيير ومساعدة الآخرين
المقارنة ليست للأفضلية ولكن للتأمل في المساحة التعبيرية المخصصة لحالة لا يكاد ينجو إنسان من المرور بها.
وفي التراث البوذي أو الصيني تروى قصة تسمى حبة الخردل تروى عن امرأة فقدت طفلها فذهبت إلى الحكيم ترجوه أن يعيده إلى الحياة قال لها: سأفعل لكن احضري لي حفنة من حبوب الخردل من بيت لم يعرف الموت أبدا
فرحت المرأة وبدأت تطرق الأبواب في كل بيت كانت تسمع:
فقدنا أباً، فقدنا أماً، فقدنا ابناً، فقدنا شريك الحياة
ومع كل باب تطرقه المرأة كانت تدرك أنه لا يوجد بيت لم يزره الفقد، وأن العزاء في المشاركة إذ إنها لما طرقت الأبواب شاركت الناس أحزانهم، فحزن الفقد ليس استثناءً بل جزء من إنسانيتنا المشتركة.
سألقاكم الأسبوع القادم في أجمل ما يمكن أن ندركه في طريقنا إلى الله.