علي حسن حسون
هل حدث معك أن غادرت منزلك صباحًا، أمسكت بالمقود، وانطلقت نحو وجهتك، بينما جسدك حاضر بكامل وعيه على الطريق، لكن عقلك كان في مكانٍ آخر؟
تقود المركبة، تراقب الإشارات، تتفادى الاصطدام، تلتزم بأنظمة المرور، وفي اللحظة نفسها يقتحمك طيف ذكرى موجعة: كلمة جارحة قيلت يومًا، موقف لم يُنصفك، أو فقدٌ لم يلتئم جرحه بعد وربما لا تكون ذكرى، بل كان توقّعًا مرهقًا لما سيأتي، قلقًا من اجتماع، أو خوفًا من قرار لم يُحسم بعد، ويحدث كل ذلك في آنٍ واحد وحين تصل إلى وجهتك، تكتشف أنك وصلت جسديًا فقط.. أما روحك، فقد استُنزفت في الطريق، حيث إنك تشعر بثقلٍ داخلي، بشرودٍ غامض، وليست الحيوية نفسها التي كانت عند الخروج من المنزل، ما يستنزفنا حقًا ليس الطريق، ولا القيادة، ولا حتى ازدحام الشوارع.بل تلك الأحداث القديمة، والتطلعات المستقبلية، التي تسافر معنا دون أن ننتبه. نحن لا نتركها خلفنا، بل نحملها معنا من مكان إلى آخر، لتظهر في أكثر اللحظات بساطة، عبر ذكريات مباغتة أو توقّعات ينسجها العقل بلا استئذان ونستجيب لها تلقائيًا، نغوص فيها، نعيد تمثيلها، نعيشها وكأنها تحدث الآن، وهكذا، وبهدوءٍ شديد، نغادر اللحظة الحاضرة دون أن نودّعها نحن هنا جسدًا، لكن وعينا هناك.. في ماضٍ انتهى، أو مستقبلٍ لم يولد بعد، وهذا ما يمكن تسميته بـ خداع الزمن: أن نظن أننا نعيش الآن، بينما نحن في الحقيقة نعيش في غيره.
يقول إيكهارت تول:(كلما كنت أكثر تركيزًا واهتمامًا بالزمن -الماضي والمستقبل- كلما فقدت اللحظة التي أنت فيها، لحظة الآن، وهي أثمن ما في الوجود) لأن «الآن» ليس مجرد لحظةٍ عابرة، بل هو المساحة الوحيدة التي نملكها فعلًا؛ فالماضي لم يعد موجودًا إلا كصدى في الذاكرة، والمستقبل لا يعيش إلا كصورة في الخيال!!
أما الآن.. فهو الحقيقة الوحيدة التي نتنفسها دون وسيط، ومع ذلك، كم مرة فرّطنا به دون أن نشعر؟ كم لحظةٍ ثمينة عشناها غائبين، بينما كان كل شيء يدعونا للحضور؟هنا لا ينتهي الحديث، بل يبدأ في المقال التالي، سنحاول أن نفهم كيف يسرقنا العقل من لحظتنا وكيف يمكننا أن نعود إلى «الآن» قبل أن نمضي في الحياة ونحن غائبون.. وللحديث بقية.