مبارك بن عوض الدوسري
في يوم التأسيس، تتجدد الحكايات التي تربط الماضي بالحاضر، وتتكامل فيها ملامح الدولة السعودية منذ بداياتها الأولى حتى نهضتها الحديثة؛ ومن بين تلك الحكايات، تبرز قصة الكشافة السعودية بوصفها نموذجاً وطنياً وإنسانياً يعكس روح البناء، وقيم الخدمة، ورسالة السلام التي انطلقت من هذه الأرض إلى العالم.
لم تكن العلاقة بين المملكة والحركة الكشفية وليدة تنظيم إداري فحسب، بل سبقتها مواقف تاريخية ذات دلالات عميقة؛ ففي موسم حج عام 1353هـ، حلت بعثة الكشافة العراقية ضيفاً على الديار المقدسة، حيث التقى الملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- أعضاء الوفد في مشعر منى؛ وهناك استمع إلى شرحهم عن فكرة الكشافة وأهدافها، فاستحسنها، وأصدر توجيهاته بإدخالها إلى المدارس والمعاهد؛ ولم يكن ذلك الموقف مجرد إعجاب بفكرة شبابية، بل قراءة مبكرة لقيمة تربوية وإنسانية تقوم على الانضباط، والعمل الجماعي، وخدمة المجتمع.
وقد عكست كلمات الملك المؤسس في ذلك اللقاء رؤية تتجاوز اللحظة، حين عبّر عن اعتزازه بالنهضة العربية، وعن أهمية التعارف والتآخي بين الشعوب؛ كلمات حملت في جوهرها المعاني ذاتها التي قامت عليها الدولة السعودية: وحدة، وتعاون، وإيمان بدور الإنسان في البناء.
ومع ترسخ مؤسسات الدولة، جاء القرار التاريخي بتأسيس الكيان الكشفي الوطني؛ ففي عهد الملك المؤسس، صدر قرار مجلس الشورى بالموافقة على إنشاء فرقة الكشافة العربية السعودية، ثم توالت مراحل البناء المؤسسي حتى صدر المرسوم الملكي بتأسيس جمعية الكشافة العربية السعودية، لتصبح هيئة ذات شخصية اعتبارية ومظلة وطنية للعمل الكشفي.
ومنذ عام 1382هـ، بدأت الكشافة السعودية ترسم ملامح تميزها في ميادين الخدمة العامة، حين شارك 150 كشافاً فقط في خدمة ضيوف الرحمن؛ كان ذلك الرقم المتواضع بداية لمسيرة طويلة من العطاء، تحولت فيها المشاركة الكشفية إلى منظومة وطنية متكاملة؛ واليوم تحشد الجمعية نحو خمسة آلاف من الفتية والشباب من مختلف مناطق المملكة، يعملون في معسكرات الخدمة العامة بروح الفريق الواحد، يقدمون الخدمات الإرشادية والتنظيمية والإنسانية للحجاج.
هذا التطور لم يكن نمواً عددياً فحسب، بل انعكاس لعمل مؤسسي وتخطيط مستدام جعل من التجربة السعودية نموذجاً يُحتذى به عالمياً، خصوصاً مع الحضور الفاعل للفتاة السعودية، حيث تشارك المئات من الفتيات والقائدات الكشفيات في مشهد وطني يعكس التحولات التنموية والاجتماعية التي تعيشها المملكة.
وعلى امتداد هذه المسيرة، جاءت لحظة مفصلية حملت البعد العالمي للعمل الكشفي السعودي؛ ففي عام 1422هـ، ألقى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - وخلال إحدى المناسبات الكشفية العربية كلمة مؤثرة أكد فيها أن الكشافة رسل خير وحب وسلام للعالم؛ من تلك الكلمات، انبثقت فكرة مشروع عالمي تحوّل لاحقاً إلى مبادرة «رسل السلام»، التي أصبحت واحدة من أبرز المبادرات الشبابية الدولية.
لم يكن المشروع مجرد شعار، بل برنامج عالمي واسع الأثر، استهدف المناطق المتضررة، وعزز ثقافة السلام من خلال الخدمة المجتمعية؛ وخلال سنوات قليلة، سجلت المبادرة استجابة ملايين الكشافة حول العالم، قبل أن تتعزز بمنحة سعودية سخية دعمت استدامتها ورسخت حضورها الدولي.
واليوم، يتواصل الامتداد العالمي للمبادرة عبر اتفاقيات وتجديدات تمويلية تعكس التزام المملكة بدعم الشباب وتعزيز قيم السلام. فقد أسهمت المملكة في إلهام وتشجيع أكثر من 100 مليون كشاف في 176 دولة للعمل كرسل سلام، في رسالة إنسانية تتسق مع الدور السعودي في دعم الاستقرار، والتنمية، والتقارب بين الشعوب.
في يوم التأسيس، تبدو هذه المسيرة أكثر من مجرد تاريخ جمعية أو مبادرة؛ إنها امتداد طبيعي لقصة دولة قامت على القيم، ورسخت مفهوم الخدمة، وآمنت بدور الإنسان في صناعة الأثر؛ فمن خدمة ضيوف الرحمن في أطهر البقاع، إلى الإسهام في نشر ثقافة السلام حول العالم، تجسد الكشافة السعودية أحد الوجوه المشرقة للدولة السعودية الحديثة.
إنها حكاية وطن بدأ بفكرة، وآمن بالإنسان، واستثمر في شبابه، فامتدت رسالته من الداخل إلى العالم.. بروح كشفية، وقلب سعودي، ورسالة سلام لا تعرف الحدود.