د. تنيضب الفايدي
يكتسب يوم التأسيس أهمية مضاعفة، فهو يمثل نقطة انطلاق لمشروع وطني سياسي واجتماعي وثقافي مستمر نحو مستقبل واعد، فهو يوم تاريخي ويوم فخر ويوم مبارك، إنه ليس مجرد ذكرى سنوية، بل هو وقفة إجلال لرحلة وطن عظيم، ودعوة للتأمل في الإرث الثقافي والتاريخي الغني، كما هو احتفاء بالإنجازات الحالية، وتأكيد على الالتزام برؤية 2030، التي تهدف إلى تعزيز البناء والتطور، وجعل المملكة منارة عالمية، مستندة على جذورها القوية.
ففي هذا التاريخ وقبل ثلاثة قرون (1139هـ/ 1727م) أسس محمد بن سعود -رحمه الله- الدولة السعودية الأولى وعاصمتها الدرعية، ودستورها القرآن الكريم وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وقُبيل تولّي الإمام محمد بن سعود الحكم كانت تحيط بالدرعية الفوضى وعدم الاستقرار، إذ تعددت الزعامات والإمارات المتناحرة على الحكم في البلدات المجاورة، ولم تكن الدرعية بأحسن حال مما جاورها، لكن الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- استطاع أن يتغلب على كلّ تلك المصاعب، ويوحّد الدرعية وينشر الأمن والاستقرار فيها.
كان للإمام محمد بن سعود رؤية مستقبلية، حيث درس الأوضاع التي كانت تعيشها إمارته والإمارات التي حولها بشكل خاص ووسط الجزيرة العربية بشكل عام، وبدأ منذ توليه الحكم التخطيط للتغيير عن النمط السائد خلال تلك الأيام، حيث سلك مساراً جديداً في المنطقة يمثل في الوحدة والتعليم ونشر الثقافة وتعزيز التواصل بين أفراد المجتمع والحفاظ على الأمن.
وللعلم أن سلسلة الحكم في الدرعية تمتد إلى ما يقارب الـ600 عام، حيث أسس مانع المريدي مدينة الدرعية وأسس إمارة فيها، وربيعة بن مانع وهو من استكمل تأسيس الإمارة، وموسى بن ربيعة الذي ازدادت الإمارة نفوذاً في حكمه، وإبراهيم بن موسى ويُنسب إليه تأمين طرق الحج والتجارة التي تمرّ بالدرعية، ومرخان بن إبراهيم الذي زاد من نفوذ الإمارة، ومقرن بن مرخان وهو من توسّعت إمارة الدرعية في حكمه، ومحمد بن مقرن الذي امتدت فترة حكمه طويلاً، وسعود بن محمد بن مقرن وازدادت قوة إمارة الدرعية في حكمه، ومحمد بن سعود وهو مؤسس الدولة السعودية الأولى وأول أئمتها، لكن التأسيس وتغير شكل الحكم من المدينة إلى الدولة الواسعة حدث في عهد الإمام محمد بن سعود رحمه الله؛ لذا تم اختيار يوم الثاني والعشرين من فبراير من كلّ عام للاحتفال بيوم التأسيس، حيث صدر الأمر الملكي الكريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله- بأن يكون يوم 22 فبراير يوماً للتأسيس استذكاراً لامتداد الدولة السعودية من ثلاثة قرون، وإبرازاً للعمق التاريخي والحضاري لها، واحتفاءً بالإرث الثقافي المتنوع، واعترافاً بالبطولات التي سطرها الآباء والأجداد المؤسسون لهذا الكيان العظيم، ووفاءً لكلّ من أسهم في خدمة الوطن من الأئمة والملوك والمواطنين.
استمرت الدولة السعودية الأولى إلى عام 1233هـ/ 1818م مسجلةً حقبة تاريخية مهمة امتدت لــ94 عاماً من الحكم والتوحيد، ولم يمض سوى سبع سنوات على انتهائها، حتى تمكن الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود رحمه الله عام (1240هـ/ 1824م) من استعادتها وتأسيس الدولة الثانية التي استمرت إلى عام (1309هـ/ 1891م)، وبعد انتهائها بعشر سنوات قيض الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود رحمه الله عام (1319هـ/ 1902م) ليؤسس الدولة السعودية الثالثة ويوحدها باسم المملكة العربية السعودية، وسار من أتى بعده من أبنائه وأحفاده على نهجه في تعزيز بناء هذه الدولة ووحدتها.
وقد أنجز المؤسس الأول الإمام محمد بن سعود رحمه الله إنجازات عظيمة، من أهمها:
- توحيد الدرعية تحت حكمه والإسهام في نشر الاستقرار.
- الاستقلال السياسي وعدم التبعية لأي نفوذ.
- بناء حي الطرفية بجانب غصيبة.
- تنظيم موارد الدولة.
- الاهتمام بالأمور الداخلية وتقوية مجتمع الدرعية.
- مناصرة الدعوة الإصلاحية وحمايتها.
- الحرص على الاستقرار الإقليمي.
- توحيد معظم منطقة نجد.
- دعوة البلدات للانضمام إلى الدولة السعودية.
- التصدي لعدد من الحملات ضد الدولة.
- بناء سور الدرعية للتصدي للهجمات الخارجة.
- تأمين طرق الحج والتجارة.
- بدء حملات التوحيد.
إن الاحتفاء بهذا اليوم يرمز إلى العمق التاريخي والحضاري والثقافي للمملكة العربية السعودية ويأتي لاستذكار امتداد الدولة السعودية قبل ثلاثة قرون من صعاب الأمس وتحدياته، وهو رسالة تذكرنا بحالة الفرقة والتشتت والتنازع التي كانت عليها البلاد، وكيف تمكن هذا البطل العظيم من إنهائها ومن ثم توحيدها، فهو يحفزنا جميعاً لاقتفاء الأثر والسير على ذات المسار، وذلك بالمحافظة على تلك الإنجازات العظيمة، وصناعة المستقبل، وتجاوز الصعاب، ومواصلة المشوار والارتقاء بالوطن العظيم بناءً وتعميراً، كما أن من الأهداف لإحياء هذه الذكرى:
- ربط الناس بجذورهم الوطنية، ووصل الماضي بالحاضر عبر رحلة (يوم التأسيس).
- تجدد معاني الفخر والاعتزاز بهذه الجذور الراسخة، وتتجسد قيم الوحدة والازدهار التي سطرها الأجداد والآباء.
- ارتباط التأسيس بالإمام محمد بن سعود كونه مؤسس الدولة السعودية الأولى وواضع اللبنة الأولى لهذا الكيان.
- الاعتزاز بالوحدة الوطنية التي أرساها الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله.
- الاعتزاز بإنجازات الملوك أبناء الملك عبدالعزيز في تعزيز البناء والوحدة.
- ترسيخ العمق التاريخي للمملكة.
- الاحتفاء بالإرث الثقافي للمملكة.
- ترسيخ الشعور بالفخر والاعتزاز بالانتماء للوطن.
- الاعتزاز بالارتباط الوثيق بين المواطنين وقادتهم.
- الاعتزاز بما أرسته الدولة السعودية من الوحدة والاستقرار والأمن.
- الاعتزاز بصمود الدولة السعودية الأولى والدفاع عنها أمام الأعداء.
- الاعتزاز باستمرار الدولة السعودية واستعادتها لقوة جذورها وقادتها.
- إبراز العلاقة الوثيقة بين القيادة والشعب، وتجديد العهد بالولاء والانتماء، والمضي قدماً نحو تحقيق تطلعات الوطن.
إن ذكرى يوم التأسيس يثير ويغرس في النفس حبّ الوطن، ويولد فيه الاعتزاز به والوقوف للدفاع عنه والتضحية له بكلّ غالٍ ونفيس، كما ينشر في أهله الوعي حول ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية، وذلك بالوقوف خلف القيادة وبالمحبة والسلام والتآخي فيما بينهم، وتتحول المواطنة بذلك إلى فعل وسلوك وأخلاق، كما تعمل على اكتساب المعارف والقدرات والقيم والاتجاهات لدى الطلاب والطالبات، بل وكلّ مواطن ومواطنة في أيّ موقع من أرجاء الوطن، إضافةً إلى إيجاد الروابط المتينة بين المبادئ الأخلاقية والقيم الوطنية ومهارات الحياة المعاصرة بكلّ مكوناتها.
ففي هذا اليوم نجدد العهد والولاء، ونفخر بماضينا العريق، وننظر بتفاؤل لمستقبل مشرق. إنها مناسبة لتجديد روح الانتماء، والتأكيد على أن هذه الدولة مستمرة، قوية بجذورها، وعظيمة بشعبها، وموحدة بقيادتها نحو غدٍ أفضل وأكثر ازدهاراً، وذلك بأداء المواطن ما عليه من واجبات وحقوق تجاه الوطن، وحماية إنجازات ومكتسباته، والمحافظة على استقراره، والوقوف خلف القيادة بكلّ قوة وإخلاص وأمانة.