إبراهيم بن يوسف المالك
ليست المصادفات هي ما تصنع دلالة الدول، بل العلاقة الواعية بين الفكرة والقيادة والزمن. وفي التجربة السعودية، تتجلى هذه العلاقة بوضوح في الربط العميق بين لحظة التأسيس التي صنعت الكيان، ومنهج البيعة الذي ضمن استمرارية الحكم وتجدد المشروع الوطني. هنا لا تُقرأ الدولة بوصفها حدثًا تاريخيًا منقطعًا، ولا القيادة كمرحلة عابرة، بل كمسار متصل تتكامل فيه الشرعية مع الفاعلية، والتاريخ مع القرار.
في السياق السعودي، لم يكن التأسيس مجرد إعلان سلطة، بل تأسيس لفكرة الدولة قبل كل شيء. فكرة قوامها الاستقرار، ووحدة القرار، والشرعية التي تُبنى بالتراكم لا بالقفز. ومن هذه القاعدة، امتلكت الدولة السعودية قدرتها النادرة على الاستمرار، لأنها قامت منذ لحظتها الأولى على فهم عميق لمعنى الحكم، لا على منطق ردود الأفعال أو الحلول المؤقتة.
أما البيعة، فهي التعبير السياسي الأوضح عن هذه الاستمرارية. ليست طقسًا رمزيًا، بل صيغة حكم متجددة تُنظّم العلاقة بين القيادة والمجتمع، وتمنح التحول مشروعيته، وتُحمّل القرار مسؤوليته.
ومن هذا المنطلق، لا تُقرأ العلاقة بين التأسيس والبيعة كمسارين منفصلين، بل كمنطق دولة متكامل؛ تتكامل فيه شرعية التاريخ مع فاعلية القيادة. فالدولة التي تعرف لماذا بدأت، هي الأقدر على أن تعرف كيف تتغير، ومتى، وبأي أدوات، ومن يقود هذا التغيير.
وتتجلى هذه المعادلة بوضوح في رؤية المملكة 2030، التي لم تُطرح بوصفها برنامجًا اقتصاديًا تقنيًا، بل كإطار حاكم لإعادة بناء الدولة الحديثة. رؤية قادها سمو ولي العهد بمنطق الدولة لا بمنطق الشعارات؛ أعادت توزيع مصادر القوة، وحرّرت الاقتصاد من الاعتماد الأحادي، ومكّنت القطاع الخاص، وبنت صناعات وطنية، وربطت التنمية بالحوكمة والاستدامة.
في هذا السياق، لم يعد الاقتصاد ملفًا فنيًا محضًا، بل أداة سيادية. فتنويع الإيرادات، وتعزيز المحتوى المحلي، وبناء القدرات الوطنية، لم تكن خيارات تنموية فقط، بل قرارات سياسية واعية هدفت إلى تحصين الدولة، وتعزيز استقلال قرارها، وترسيخ مكانتها بين مصاف الدول الكبرى.
وما يميّز هذا التحول أن القيادة لم تعزل المجتمع عنه، بل أعادت تعريف دور كل مكوّن فيه. فالقطاع الخاص أصبح شريكًا حقيقيًا في التنمية، والمواطن عنصرًا فاعلًا في صناعة المستقبل، والمؤسسات الحكومية منصات أداء ومساءلة. وهنا تتجسد البيعة بمعناها الأعمق: التزام متبادل بين قيادة تقود ومجتمع يشارك.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز القيادة بوصفها عنصر الاتزان بين الطموح والواقعية. قيادة تدرك أن التغيير السريع بلا بوصلة خطر، وأن الجمود في عالم متغير خسارة مؤكدة، وأن أصعب ما في الحكم ليس اتخاذ القرار، بل توقيته وإدارته. ولهذا، جاء التحول السعودي انتقالًا محسوبًا، لا قطيعة، وبناءً تراكميًا، لا قفزًا في المجهول.
إن قراءة التأسيس مقرونًا بمنهج البيعة تقدّم فهمًا عميقًا لطبيعة الدولة السعودية الحديثة: دولة تستمد شرعيتها من تاريخها، وتستمد زخمها من قيادة طموحة، وتستمد قوتها من قدرتها على تحويل الرؤية إلى سياسات عامة واقتصاد وطني متماسك.
وفي يوم التأسيس، تتجدد الثقة، ويترسخ المسار، وتمضي المملكة بثبات نحو مستقبل يليق بتاريخها، ويوازي طموح قيادتها، ويعكس مكانتها بين الدول الكبرى.