اللواء الركن (م) خالد المرعيد
لا يُستحضر يوم التأسيس بوصفه ذكرى تاريخية جامدة، ولا مناسبة احتفالية تُستعاد فيها الوقائع فحسب، بل يُقرأ باعتباره لحظة وعيٍ وطني تشكّلت فيها ملامح الدولة السعودية الأولى على أسسٍ راسخة للبقاء في بيئةٍ مضطربة، اعتادت الفوضى وغابت عنها مفاهيم الدولة الجامعة.
ففي عام 1727م، لم يولد كيان سياسي عابر، بل وُلد مشروع دولة أدرك منذ لحظته الأولى أن الاستمرار لا يتحقق بالقوة المجردة، وإنما بثلاثية متماسكة: قيادة واعية، وأمن مستقر، واقتصاد منضبط.
كانت القيادة السياسية هي الأساس الذي قامت عليه هذه الثلاثية. قيادة اتسمت بوضوح الرؤية، وصدق النوايا، وحسن التدبير لشؤون الحكم، فأعلت قيمة العدل والمساواة بين الناس، وربطت الحكم بالمسؤولية لا بالهيمنة، وبالخدمة لا بالاستئثار. مارست القيادة الحزم حين يقتضي المقام الحزم، والحِلم حين تكون الحكمة في التروّي، ونجحت في إيجاد توازن دقيق بين قوة القرار ورحابة الصدر، وهو توازن نادر في بيئاتٍ اعتادت الإفراط في أحد الطرفين.
وكان من أهداف القيادة الرئيسية منذ التأسيس تحقيق الأمن وتوحيد المجتمع؛ إدراكًا منها أن الأمن هو المدخل الطبيعي للاستقرار، وأن توحيد الصف وبناء الجماعة الوطنية يقودان إلى العز والقوة والمنعة، في حين أن التشرذم والشتات لا يفضيان إلا إلى الضعف والمذلة وفقدان السيادة. ومن هذا الفهم العميق، سعت القيادة إلى جمع الناس تحت مظلة الدولة، وتحويل الانتماءات المتفرقة إلى ولاءٍ جامع، يحمي الكيان ويصون المجتمع.
ولم يكن بناء الدولة السعودية الأولى نتاج اندفاعٍ أو مغامرة غير محسوبة، بل ثمرة بعد نظر ورؤية استراتيجية بعيدة المدى. فقد أدركت القيادة أن تثبيت الداخل مقدّم على التوسع، وأن استقرار المجتمع هو الضمانة الحقيقية لأي مشروع سياسي طويل الأمد. ومن هنا جاء الاهتمام بتنظيم شؤون الحكم، وضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع، وترسيخ قيم الطاعة الواعية القائمة على الثقة، لا على القهر.
وجاء الأمن بوصفه الركيزة الثانية، لا كأداة قسرية، بل كمنظومة شاملة لحماية الاستقرار الداخلي. فالأمن في الدولة السعودية الأولى شمل الأمن الداخلي، وحماية المجتمع، وضبط المجال الحيوي، وتأمين طرق الحركة والتجارة، بما يضمن انسياب الحياة اليومية بعيدًا عن الفوضى والاعتداءات. وكان هذا الاستقرار عامل جذبٍ بشري واقتصادي، أسهم في ترسيخ الانتماء، وتعزيز الولاء للدولة، وتحويلها إلى مظلة جامعة بعد عقود من التشرذم.
أما الاقتصاد، فقد أُدير بواقعية تتناسب مع طبيعة المرحلة، وبحكمة تنظر إلى الاستدامة لا إلى المكاسب السريعة. فتم تنظيم الموارد والجباية بما يحقق العدالة ويحد من التعسف، وتشجيع التجارة وتأمين مساراتها، وربط النشاط الاقتصادي بالأمن والاستقرار. لم يكن الهدف تراكم الثروة لذاتها، بل حماية الموارد، وضمان ديمومتها، وتسخيرها لخدمة المجتمع والدولة معًا.
وتتكامل هذه الركائز الثلاث حين ندرك أن القيادة الواعية هي التي تصنع الأمن، وأن الأمن المستقر هو الذي يحمي الاقتصاد، وأن الاقتصاد المنضبط هو الذي يعزز الاستقرار الاجتماعي والسياسي. بهذا الترابط، تشكّلت الدولة السعودية الأولى كحالة فريدة في محيطها، قادرة على الصمود، واستيعاب التحديات، وتجاوز الأزمات عبر حسن التقدير، وضبط الأولويات، وتغليب المصلحة العامة.
إن الملاحم التي تُروى عن تلك المرحلة ليست ملاحم سلاح فقط، بل ملاحم عقل دولة امتلكت النوايا المخلصة، والاقتدار على اتخاذ القرار، والشجاعة في تحمّل تبعاته.
ولهذا، فإن يوم التأسيس لا يُقرأ كتاريخٍ مضى، بل كدرسٍ متجدد في بناء الدول، وفي أن المجد الحقيقي يبدأ حين تُبنى الدولة على العدل، والحكمة، وحسن التدبير، وبعد النظر.
هكذا بدأ المجد، وهكذا تُروى الملاحم؛ دولة قامت على ثلاثية البقاء، واستمرت لأنها أدركت أن القيادة ليست سلطة فحسب، بل مسؤولية تاريخية ورؤية حضارية. وفي يوم التأسيس، نستحضر هذا المعنى العميق، ونجدد الإيمان بأن ما بُني على هذه الأسس باقٍ بإذن الله.
نسأل الله أن يحفظ لنا سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وان يحفظ بلادنا من شر المعتدين وكيد الكائدين.
وكل عام والوطن بألف خير..
** **
- (مختص بالشؤون العسكرية والسياسية)