د. سفران بن سفر المقاطي
يمثّل يوم التأسيس السعودي مناسبة وطنية تختزل هوية الدولة وقيمها الثقافية والحضارية، إذ تعود جذور الدولة السعودية الأولى إلى عام 1139هـ الموافق 1727م، حين غدا هذا التاريخ رمزاً للوحدة الوطنية والإرث الحضاري العريق. غير أن السنوات السبع عشرة الأولى من عمر هذه الدولة الناشئة، تلك التي قادها الإمام محمد بن سعود بحكمة وبصيرة، ظلت بعيدة عن دائرة الضوء في معظم البحوث والدراسات التاريخية، رغم أنها شكّلت حجر الأساس الذي قامت عليه الإنجازات اللاحقة كافة.
تكشف الشواهد التاريخية الموثوقة أن السبعة عشر سمة الاولى وهي المرحلة الممتدة من تولي الإمام محمد بن سعود مقاليد الحكم حتى عام 1744م لم تكن مرحلة جمود أو ترقّب سلبي كما قد يُتصوَّر، بل كانت حقبة بناء مؤسسي رصين أرسى خلالها الإمام المؤسس قواعد إمارة قادرة على الصمود في مواجهة التقلبات السياسية العاصفة التي كانت تجتاح إقليم نجد وما جاوره. تصدّى الإمام بحنكة ودراية لتحديات جسيمة تمثلت في الصراعات الداخلية المتوارثة والنزاعات المستمرة بين الإمارات المتنافسة على النفوذ والموارد، فضلاً عن شُحّ الإمكانات الاقتصادية وضيق هامش المناورة المالية، مما استوجب انتهاج سياسات متوازنة تمزج بين الحزم حين يستدعي الموقف والمرونة حين تقتضي الحكمة التريث.
لقد كان الإمام محمد بن سعود يدرك أن بناء دولة راسخة لا يتحقق بالقوة وحدها، بل يتطلب تأسيس شرعية سياسية واجتماعية تضمن الولاء والاستقرار. لذلك، عمد إلى تعزيز مكانة الدرعية كمركز للأمن والاستقرار في قلب نجد، وجعلها نقطة جذب للسكان والتجار الباحثين عن الحماية والأمان وسط اضطرابات المنطقة. اعتمد الإمام سياسة الباب المفتوح، فكان قريبًا من أفراد المجتمع، يستمع إليهم ويشاركهم همومهم وأفراحهم، ما عزّز من صورته كقائد عادل وحكيم.
كما واجه تحديات كبيرة في إدارة العلاقات مع القبائل القوية والمؤثرة، متبعًا نهجًا متوازنًا يجمع بين الترغيب والترهيب. استخدم وسيلة التحالفات والمصاهرات لتقوية روابطه مع الزعامات القبلية، وحرص على توزيع المنافع بشكل عادل بين مختلف الفئات، مما أسهم في ترسيخ وحدة الصف الداخلي وحماية إمارة الدرعية من الانقسامات والصراعات.
في ظل محدودية الموارد العسكرية والمالية، كان الإمام محمد بن سعود يتحلى بالحذر في تعامله مع القوى الإقليمية الكبرى مثل إمارة بني خالد في الشرق والأشراف في الحجاز غربًا. تفادى الدخول في مواجهات مباشرة مع هذه القوى، وركز جهوده على بناء قاعدة صلبة في الداخل وتوسيع دائرة نفوذه تدريجيًا عبر العلاقات المرنة والمصالح المشتركة.
لقد أظهرت السنوات السبع عشرة الأولى من عمر الدولة السعودية الأولى أن الإمام المؤسس كان رجل دولة من الطراز الرفيع، يجمع بين الفطنة السياسية وبعد النظر، ويستثمر كل فرصة لتعزيز قوة الإمارة وتماسكها الداخلي. وقد مهدت هذه السياسات الحكيمة الطريق للانطلاقة الكبرى التي شهدتها الدولة السعودية لاحقًا، ورسخت قواعد متينة أصبحت ركيزة للهوية السعودية المعاصرة وقيمها الحضارية.
المشهد السياسي.. فسيفساء من التحديات
لإدراك حجم ما أنجزه الإمام محمد بن سعود من بناء مؤسسي ونسيج سياسي متماسك، يتوجب استحضار الخارطة السياسية المعقدة التي واجهها لحظة توليه السلطة. كانت شبه الجزيرة العربية في تلك الحقبة ترزح تحت وطأة تفكك سياسي شامل وغياب تام لأي سلطة مركزية جامعة، حيث تناثرت السلطة في نجد بين إمارات صغيرة متناحرة لا يتعدى نطاق نفوذ الواحدة منها حدود البلدة التي تتخذها مركزاً أو الوادي الذي تحتمي به.
وصف المؤرخون هذا المشهد بالفوضى المنظمة، وهو توصيف دقيق يعكس جوهر تلك المرحلة، إذ تتوازن القوى المحلية بصورة تحول دون انفراد أي طرف بالهيمنة، لكنها في الوقت ذاته تُديم حالة الاحتراب والتنافس دون أفق للاستقرار. باتت الإمارات النجدية أشبه بجزر سياسية معزولة يتناوب عليها الضعف والقوة وفق معادلات محلية ضيقة، وتحكمها تحالفات قبلية هشة سرعان ما تتبدل بتغير المصالح والظروف.
في خضم هذا المشهد المتشابك، لم تكن الدرعية كياناً مهيمناً يتطلع إليه الآخرون، بل كانت واحدة من إمارات عدة في وادي حنيفة الخصيب، تفتقر إلى التفوق العسكري الحاسم أو الوفرة الاقتصادية التي تخوّلها فرض سيطرتها على جيرانها. كانت إمارة متواضعة الإمكانات تعيش على الزراعة الواحية وتجارة القوافل العابرة، وتواجه منافسة شرسة من جيرانها الأقربين. أما القوى الإقليمية الكبرى فقد رسمت سقفاً صارماً لطموحات أي إمارة نجدية تتطلع إلى التوسع. بسطت إمارة بني خالد هيمنتها على الأحساء شرقاً بما يملكه من موارد اقتصادية ومنافذ بحرية حيوية، فيما احتفظ الأشراف بسلطتهم على الحجاز غرباً تحت المظلة العثمانية التي تمنحهم شرعية دينية وسياسية. شكّلت هذه القوى طوقاً يُقيّد حركة الإمارات النجدية، وكان أي احتكاك معها يحمل أخطارا وجودية حقيقية.
أمام هذا الواقع السياسي المليء بالتحديات والتوازنات الدقيقة، كان على الإمام محمد بن سعود أن يتعامل مع فسيفساء معقدة من القوى المحلية والإقليمية، وأن يبتكر وسائل للبقاء والمناورة بعيداً عن الاصطدام المباشر مع القوى الكبرى. لم تكن الخيارات مفتوحة على مصراعيها، بل فرضت الظروف عليه انتهاج سياسة واقعية تراعي محدودية الموارد وتغلب مبدأ الحذر على المغامرة، دون أن تفقد الرؤية المستقبلية لبناء كيان موحد وقوي.
استوعب الإمام سريعاً أن التفوق العسكري ليس وحده مفتاح البقاء، بل إن بناء شرعية سياسية واجتماعية راسخة، قائمة على الثقة المتبادلة مع الأهالي وزعماء القبائل، هو الأساس الذي يمكن البناء عليه. فعمل على تعزيز موقع الدرعية كمركز للاستقرار والأمان، واجتهد في ترسيخ صورة الإمارة كملاذ آمن يوفر الحماية والعدل ويضمن استمرار الحياة الاقتصادية وسط أجواء التوتر الدائم.
كما أدرك أن التحالفات المؤقتة والمصالح المتبادلة مع القوى المحيطة تمثل ركيزة أساسية للصمود، فحرص على عدم الانجرار إلى صراعات جانبية تستنزف قدرات الإمارة، وبدلاً من ذلك ركز على تدعيم الجبهة الداخلية وبناء شبكة علاقات مرنة تتيح له توسيع نطاق النفوذ تدريجياً دون إثارة الخصوم. ولعل هذه السياسة الحكيمة هي التي مكنت الدرعية من تجاوز عواصف تلك المرحلة، ومهدت الطريق لاحقاً للانطلاقة الكبرى التي شهدتها الدولة السعودية الأولى في العقود التالية. وهكذا، كان المشهد السياسي في نجد أشبه بلوحة فسيفساء متداخلة الألوان والخطوط، لا تتيح لأي طرف فرض هيمنته الكاملة، لكنها في الوقت ذاته منحت الإمام محمد بن سعود فرصة نادرة لإعادة رسم قواعد اللعبة السياسية، وترسيخ أسس كيان ناشئ سيغدو لاحقاً نواة الدولة السعودية الكبرى.
التحديات الداخلية معادلة الثبات والتوازن
واجه الإمام محمد بن سعود منذ اللحظة الأولى معادلة بالغة التعقيد تتشابك فيها خيوط الداخل بتحديات الخارج.
ورغم أن المصادر التاريخية لا تسعفنا بتفاصيل وافية، إلا أن استمرارية الإمام في السلطة على مدى سبعة عشر عاماً تُشير بوضوح إلى مهارته الفائقة في إدارة المعادلة الدقيقة والموازنة بين الأطراف المتنافسة. علاوة على ذلك، كان عليه إدارة العلاقة مع مكونات المجتمع المحلي المتباينة، من سكان الحواضر المستقرين الذين يشتغلون بالزراعة والحرف والتجارة، إلى القبائل البدوية المحيطة التي كانت تتحكم في طرق التجارة وتملك القدرة على تهديد أمن الإمارة أو دعم استقرارها. وبالتالي كان على الإمام تحقيق هذه الموازنة دون أن يمتلك موارد مالية ضخمة تتيح له شراء الولاءات، أو قوة عسكرية طاغية تفرض الإذعان. في ظل هذه القيود، تحوّل الحكم إلى فن رفيع يقوم على التوازن بين الترغيب والترهيب، وبناء شبكة من العلاقات الشخصية والتحالفات المدروسة القائمة على الفطنة السياسية وحسن تقدير المواقف. فقد اعتمد الإمام محمد بن سعود على سياسة الباب المفتوح، فكان قريبًا من الناس، يستمع لشكاواهم ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ما عزز مكانته كزعيم يحظى بثقة العامة والخاصة على حد سواء. وحرص على توزيع المنافع بعدالة بين مختلف الفئات، مع مراعاة موازين القوى القبلية.
كما لم يتردد في اللجوء إلى الحسم عند الضرورة، فكان يفرض هيبة الدولة عند حدوث تجاوزات تهدد وحدة الإمارة أو أمنها، ويستخدم القوة بحكمة من دون إفراط، ما أكسبه احترام خصومه قبل مواليه. واستطاع بذلك أن يحافظ على تماسك الجبهة الداخلية، ويحول دون اندلاع صراعات مفتوحة قد تعصف بالكيان الناشئ. وبفضل هذه السياسة المتوازنة بين الحزم واللين، استطاع الإمام محمد بن سعود أن يُرسخ أركان الحكم، ويحول التحديات الداخلية إلى فرص لتعزيز شرعية الإمارة، ويضع الأساس الصلب الذي مكن الدولة السعودية الأولى من النهوض لاحقًا كقوة سياسية فاعلة في إقليم نجد وما حوله.
الاقتصاد الواحي إمكانات محدودة وتدبير حكيم
على الصعيد الاقتصادي، اعتمدت الدرعية على نمط الاقتصاد الوحيد السائد في نجد، حيث شكّلت زراعة النخيل والحبوب في البساتين المروية من الآبار والعيون العماد الرئيس للإنتاج المحلي، مع هامش محدود من التجارة عبر القوافل العابرة. لم تكن هذه الموارد كافية لتحقيق فائض اقتصادي يُمكّن من التوسع السريع أو بناء جيش ضخم، لكنها وفّرت الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي الذي يضمن البقاء ويُسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي.
إضافة إلى ذلك، واجهت الدرعية تحديات جمّة في إدارة هذه الموارد المحدودة، إذ كان عليها تحقيق توازن دقيق بين متطلبات السكان المحليين وحاجات الأمن والدفاع، دون أن تقع في فخ الاستنزاف أو التبعية الاقتصادية للقوى المجاورة. فابتكر الإمام محمد بن سعود سياسات محلية تركز على التنمية الواعية للبساتين وتحسين طرق الري وتقسيم الأراضي بطريقة عادلة تعزز الانتماء وتدعم التماسك الاجتماعي. كما حرص على تشجيع الحرف اليدوية البسيطة والتجارة الموسمية، ما أتاح للإمارة تنويع مصادر دخلها، وإن بشكل متواضع.
ورغم محدودية الإمكانات، أظهر الإمام براعة في توظيف رأس المال الرمزي المتجذر في المجتمع، مثل قيم الكرم والتكافل وحسن الجوار، ليحول الاقتصاد الواحي إلى رافعة اجتماعية وسياسية تعزز شرعية حكمه. فكان يدير شؤون الإمارة بحكمة، محافظًا على الاستقرار وتجنب الإنفاق المفرط أو المغامرات الاقتصادية غير المحسوبة، ما جعل الدرعية قادرة على الصمود أمام الأزمات، ووفّر لها بيئة مناسبة للنمو التدريجي والبناء المستدام. وهكذا، شكل الاقتصاد الواحي في الدرعية نموذجًا للنجاح النسبي في ظل ظروف قاسية، حيث استطاع الإمام محمد بن سعود أن يدير إمارة ناشئة بموارد بسيطة، ويضع الأساس لتجربة سياسية واقتصادية ستغدو لاحقًا نقطة تحول في تاريخ الجزيرة العربية.
الكمون الإستراتيجي فلسفة البناء الصامت
أمام هذه المعطيات الصعبة، انتهج الإمام محمد بن سعود ما يمكن تسميته بالكمون الإستراتيجي، مؤثراً تحصين الجبهة الداخلية وتعزيز قواعد سلطته على الانسياق وراء مغامرات توسعية غير محسوبة. أدرك أن الإمارة التي تخسر معركة كبرى في تلك البيئة المتقلبة قد تفقد وجودها بالكامل، بينما الإمارة التي تحافظ على حذرها تضمن لنفسها موطئ قدم ثابتاً ريثما تتهيأ الظروف المواتية.
ارتكز نهج الإمام على ثلاثة محاور متكاملة شكّلت منظومة حكم متماسكة. تجسّد المحور الأول في تحصين الدرعية وتعزيز قدراتها الدفاعية، ولم يقتصر الأمر على تشييد الأسوار، بل امتد ليشمل تنظيم الحاميات العسكرية وتطوير منظومة للمراقبة والإنذار المبكر. منحت هذه الإجراءات سكان الدرعية شعوراً بالأمان، مما عزز تماسك النسيج الاجتماعي وقلّل من احتمالات الاضطرابات الداخلية.
تمثّل المحور الثاني في بناء شبكة من التحالفات المحلية مع القبائل والجماعات المجاورة وفق منطق المصالح المشتركة. حرص الإمام على انتقاء حلفائه بعناية، معتمداً تارة على توظيف الروابط القبلية، وتارة على تعزيز أواصر المصاهرة، وأخرى على تقديم الحوافز المادية والمنافع التجارية. كفل هذا النهج للدرعية قدرة على المناورة السياسية دون الارتباط بالتزامات جامدة قد تجرّها إلى صراعات لا طاقة لها بها.
أما المحور الثالث فتجلّى في تفادي أي اصطدام مع القوى الإقليمية الكبرى، أدرك الإمام أن الدخول في مواجهة مع قوة متفوقة يحمل مخاطر وجودية، فاتسمت علاقته بهذه القوى بالحذر وتجنب الاستفزاز، مع الحرص على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة والحفاظ على حد أدنى من التبادل التجاري. ومع مرور الوقت، أثبتت هذه الفلسفة فعاليتها في حماية كيان الدرعية وإبعادها عن رياح الفتن والصراعات الكبيرة التي عصفت بالمنطقة. لم يكن الكمون الإستراتيجي حالة من الجمود أو الانكفاء السلبي، بل كان مساراً واعياً لبناء مقومات الصمود، وتدوير زوايا الخلافات الداخلية، وترسيخ شرعية الحكم في نفوس الأهالي والزعامات القبلية.
وفي ظل هذه السياسة الحكيمة، تحوّلت الدرعية إلى نقطة جذب لكل من ضاق ذرعاً بالفوضى أو سئم حياة الترحال وعدم الاستقرار. ومع كل عام كان يمر، كانت ثقة السكان تزداد في قدرة الإمام على حماية مصالحهم وحفظ أمنهم، وتتعزّز صورة الإمارة كواحة أمان وملاذ للباحثين عن الطمأنينة. لم يكتف الإمام محمد بن سعود بذلك، بل وظف فترات الهدوء النسبية في ترسيخ البناء المؤسسي لإمارته، وإدخال تحسينات على الإدارة المحلية، وتشجيع الزراعة والحرف، والعمل على استقطاب الكفاءات وأصحاب الخبرة من المناطق المجاورة. وقد أتاح له هذا النهج أن يراكم عناصر القوة الداخلية بهدوء بعيداً عن أنظار المتربصين، وأن يكون على أتم الاستعداد حين تحين لحظة التحوّل الكبرى. وهكذا، رسم الإمام محمد بن سعود من خلال فلسفة الكمون الإستراتيجي ملامح مدرسة سياسية جديدة في نجد، قوامها الحكمة، والمرونة، وصبر البناء التراكمي، فكان ذلك حجر الأساس في انطلاق الدولة السعودية الأولى على قاعدة صلبة من الشرعية والثقة والقدرة على مواجهة التحديات.
بناء الشرعية السياسية
اعتمد الإمام في بناء شرعيته على الأسس التقليدية السائدة في الإمارات النجدية، المتمثلة في الانتماء الأسري للأسرة الحاكمة ذات الجذور العريقة، والقدرة على توفير الأمن والحماية للرعية، وبناء شبكة فعّالة من التحالفات القبلية. نجح الإمام في توظيف هذه العناصر بفاعلية للحفاظ على كيان سياسي متماسك يستند إلى شرعية تجمع بين الوراثة والقوة والتحالفات. وأسهم هذا المنهج الواقعي في حماية الإمارة الناشئة من المخاطر المحدقة وترسيخ مكانتها بين الكيانات السياسية المجاورة، دون الانخراط في مشاريع طموحة قد تستنزف مواردها المحدودة. أدار الإمام إمارته بمنطق تثبيت الأقدام وتحييد المخاطر ومراكمة القوة تدريجياً، وهو نهج أثبت صوابه حين تهيأت الظروف للانطلاق الكبير. ولم يقتصر الإمام محمد بن سعود في تعزيز شرعيته السياسية على الأسس التقليدية وحدها، بل أدرك أهمية إرساء قيم العدل والمساواة في المجتمع، وتكريس مبدأ الشورى في اتخاذ القرار، مما أكسبه احترام الأهالي وثقتهم. فقد كان حريصًا على إشراك وجهاء المجتمع وزعماء القبائل في إدارة شؤون الإمارة، مستفيدًا من خبراتهم ومكانتهم، ما عزّز من تماسك الجبهة الداخلية وعمّق روابط الولاء والانتماء.
إضافة إلى ذلك، وظف الإمام القيم الدينية والاجتماعية المتجذرة في مجتمع نجد، مثل الكرم والتكافل وحسن الجوار، فكانت هذه القيم بمثابة رأس مال رمزي عزّز شرعية حكمه وجعلها مقبولة لدى عامة الناس والخاصة على حد سواء. وقد ساعده هذا النهج على احتواء التحديات الداخلية وامتصاص التوترات الناشئة، مفسحًا المجال أمام البناء التدريجي للمؤسسات وتوسيع قاعدة الدعم الشعبي. وهكذا، استطاع الإمام محمد بن سعود أن يبني شرعية سياسية متماسكة، تستند إلى مزيج من الإرث العائلي والقوة العسكرية والتحالفات الاجتماعية والدينية، مما وضع الأساس لقيام دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات وتجاوز الأزمات، ومهّد الطريق أمام التحولات الكبرى التي شهدتها الجزيرة العربية في العقود اللاحقة.
رأس المال الرمزي الإنجاز الحقيقي
تكشف هذه القراءة أن نجاح الدرعية في تجاوز تحدياتها لم يكن وليد تحولات مادية أو طفرات عسكرية، بل كان إنجازاً سياسياً وإدارياً بامتياز. فالبناء المؤسسي الذي قاده الإمام لم يمنح الدرعية جيوشاً جرارة أو ثروات طائلة، لكنه أكسبها ما هو أثمن: استقراراً داخلياً وتماسكاً اجتماعياً مكّناها من الصمود في بيئة شديدة التنافس. ونجح الإمام عبر سنوات حكمه في مراكمة رأس المال الرمزي، وهو مفهوم يُشير إلى المشروعية السياسية المكتسبة والقدرة على بناء الثقة وكسب ولاء الرعية ونسج التحالفات. يتجاوز هذا المورد في قيمته الموارد المادية التقليدية، إذ يمثل الأساس الذي تقوم عليه أي سلطة سياسية مستدامة.
لقد كان رأس المال الرمزي الذي بناه الإمام محمد بن سعود في الدرعية رصيداً استثنائياً مكّنه من تجاوز الأزمات الداخلية وامتصاص التوترات الاجتماعية، حيث أصبحت قيم الكرم والتكافل وروح الجماعة حاضنةً للتماسك، ورافعةً لتعزيز الثقة بين الحاكم والمحكوم. وما كان لهذه الثقة أن تتجذر لولا السياسات الحكيمة التي التزم بها الإمام في إدارة الخلافات وتغليب المصلحة العامة على النزعات الفردية أو الفئوية.
وتجدر الإشارة إلى أن استثمار الإمام في رأس المال الرمزي لم يكن مجرد توظيف للقيم المجتمعية فحسب، بل كان بناءً متدرجاً لمؤسسات الولاء والانتماء، وترسيخاً لمفاهيم الشورى والعدالة، وهو ما أرسى بيئة من الطمأنينة والاستقرار، أتاحت للإمارة أن تواصل نموها بهدوء، بعيداً عن صراعات الاستنزاف أو الفتن الداخلية. وهكذا، لم يكن الإنجاز الحقيقي للدرعية في تلك الحقبة مجرد صمود عابر أمام التحديات، بل كان تأسيساً لثقافة سياسية واجتماعية جديدة، جعلت من الإمارة نموذجاً يُحتذى في الإدارة الرشيدة واستثمار القيم الرمزية كرافعة للتغيير المستدام. وبذلك، أصبح رأس المال الرمزي إرثاً تتناقله الأجيال، ومرتكزاً أساسياً في بناء الدولة السعودية الأولى وصمودها في وجه العواصف والمتغيرات.
خاتمة، دروس في الحكمة السياسية
تُعيد هذه القراءة الاعتبار لمرحلة تأسيسية طالما أُهملت في الدراسات الأكاديمية والسرديات الشعبية. فالسنوات السبع عشرة الأولى تمثل نموذجاً في القيادة الرشيدة وإدارة التوازنات المحلية واستثمار الإمكانات المتاحة دون الانجرار وراء مغامرات غير محسوبة. إن الفهم الشامل لنشأة الدولة السعودية الأولى يتطلب تجاوز التركيز على الأحداث اللاحقة لعام 1744م، والنظر بعمق إلى التراكمات المؤسسية التي تحققت خلال المرحلة السابقة، فالتحولات التاريخية الكبرى لا تنبثق من فراغ، بل تأتي ثمرة لتطورات متراكمة هيّأت الظروف المواتية لقيامها. وتؤكد هذه القراءة أن البناء الهادئ والرصين قد يكون أكثر ديمومة من التوسع السريع غير المحسوب، وأن الحكمة الحقيقية تتجلى في معرفة متى يجب التريث والصبر بقدر ما تتجلى في معرفة متى يجب التحرك والمبادرة. أثبتت تجربة الإمام محمد بن سعود أن الصبر الإستراتيجي والبناء المؤسسي والتراكم التدريجي للقوة هي الأسس الحقيقية لأي مشروع سياسي يطمح إلى الاستمرار والخلود في ذاكرة التاريخ.