إبراهيم بن سعد الماجد
حين نحتفي ونحتفل بـ(يوم التأسيس) فإننا نستحضر تلك اللحظة تاريخية المفصلية التي تعود إلى عام 1139هـ/ 1727م، حين أسس الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- الدولة السعودية الأولى في الدرعية. غير أن مظاهر الاحتفال كثيرًا ما تبرز الجانب السياسي والعسكري، بينما تبقى الأبعاد الثقافية والدينية والعلمية - وهي جوهر التجربة - أقل تناولًا في الخطاب العام.
أحاول في هذه المقالة أن ألقي الضوء على بعض الجوانب التي أزعم أنها لم تعط حقها في احتفالاتنا.
الدرعية.. البيئة الثقافية قبل السياسية
لم تكن الدرعية مجرد بلدة ناشئة، بل كانت مركزًا عمرانيًا نشطًا في إقليم نجد، وسط الجزيرة العربية، وقد عُرفت بالحراك الاجتماعي، والتجاري، وتماسكها الأسري. هذا الاستقرار أوجد بيئة حاضنة للعلم والقضاء والتعليم الديني، مما مهّد لقيام كيان سياسي يستند إلى قاعدة معرفية وأخلاقية فالثقافة في نجد آنذاك لم تكن ثقافة ترف، بل ثقافة بقاءٍ وقيم؛ تقوم على الشريعة، والاعراف المرعية، وروح الجماعة. ومع قيام الدولة، بدأت هذه القيم تتحول من إطار محلي إلى مشروع أوسع يوحّد المناطق تحت مرجعية واحدة.
الحركة العلمية
لم تكن الدولة السعودية الأولى حركة عسكرية توسعية؛ بل شهدت نشاطًا علميًا. فازدهرت حلقات العلم في المساجد، وانتشرت الدروس الفقهية والفت الكتب والرسائل في العقيدة وأصول الدين والعبادات، فبرز عدد من العلماء الذين تولّوا التعليم والقضاء والإفتاء.
وقد تحولت الدرعية إلى مقصد للطلاب من مناطق نجد والأحساء والحجاز. وكان القضاء الشرعي منظمًا وفق المذهب الحنبلي، مع اهتمام بالتدوين وتوثيق الأحكام. هذا التنظيم أسهم في إرساء مفهوم الدولة القائمة على المرجعية الشرعية لا على الأعراف القبلية.
الهوية الجامعة
الدولة السعودية الأولى لم تكن مجرد سلطة ناشئة، بل كانت مشروع هوية. فقد جمعت مناطق متفرقة تحت راية واحدة، وأعادت تعريف الانتماء من الولاء القبلي الضيق إلى كيان سياسي أوسع.
هذه الهوية لم تُبنَ على القوة وحدها، بل على منظومة قيم: العقيدة، والعلم، والعدل، ووحدة المرجعية. ومن هنا يمكن فهم سرّ امتداد الفكرة السعودية واستمرارها رغم سقوط الدولة الأولى عام 1818م، ثم عودتها في الدولة الثانية والثالثة.
إن استحضارنا لـ يوم التأسيس ينبغي أن يتجاوز مشاهد العرضة والأزياء التراثية إلى تأمل الأسس العميقة التي قامت عليها الدولة: إصلاح ديني، حراك علمي، ونشوء ثقافة سياسية جديدة في قلب الجزيرة العربية.
فالدرعية لم تُنشئ دولة فحسب، بل دشّنت مسارًا حضاريًا ما زالت المملكة العربية السعودية تسير في امتداده حتى اليوم.
واليوم. ونحن في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- نعيش هذه النهضة التي لم تنس جذور الدولة الأولى، بل تؤكد دوماً على هويتها الدينية الصحيحة.. كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى عليه وسلم.
ولعل من حسن الطالع صدور الأمر الملكي الكريم بتعيين الأمير راكان بن سلمان محافظاً للدرعية وهذا تأكيد على الهوية والتاريخ، نبارك لسموه سائلين الله له العون والتوفيق.