د.شامان حامد
ليست الأوطان مجرد خرائط تُرسم على الورق، بل إرادات قلوب توحدت وصيغت في لحظة حاسمة من التاريخ المملكة العربية السعودية، يوماً لم يكُن استثناءً؛ فمنذ أن انطلقت شرارة الدولة الأولى عام 1727م على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية، تكون مسارٌ مختلف في قلب الجزيرة العربية وأطرافها المُتباعدة، مسارٌ لم يتوقف عند حدود التأسيس، بل امتد عبر ثلاثة قرون ليصبح مشروع دولة حديثة تُنافس في الاقتصاد، وتؤثر في السياسة، وتُبدع في التنمية. إذ شهد الاقتصاد السعودي منذ اكتشاف النفط عام 1938 تحولات عميقة نقلته من مرحلة الاكتفاء المحلي إلى موقع التأثير العالمي. غير أن التحول الأبرز بدأ مع إطلاق رؤية السعودية 2030، التي دشنت مرحلة جديدة من إعادة هيكلة الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل.
إنه يوم التأسيس (من الجذور إلى التحول الكبير)، الذي أُقرّ بأمرٍ ملكي من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود عام 2022، ليؤكد أن المملكة لا تحتفي بذكرى تاريخية فحسب، بل تستحضر الجذور لتغذية الحاضر وصناعة المستقبل. إنه يوم يعيد قراءة البدايات الأولى، ويستحضر رجالاً صنعوا الاستقرار وسط التحديات، ويؤكد أن الدولة السعودية قامت على أسس راسخة من الوحدة والهوية والاستمرارية، التي ترجمت التاريخ لأرقام، فبحسب بيانات الميزانية وتقارير وزارة المالية، ارتفعت الإيرادات غير النفطية إلى نحو 502 مليار ريال في 2024، بزيادة تقارب 10 % عن العام السابق، كما تجاوزت مساهمة الأنشطة غير النفطية 51 % من الناتج المحلي، في مؤشر واضح على تراجع الاعتماد الأحادي على النفط. ولم تكن هذه الأرقام مجرد مؤشرات مالية، بل ترجمة عملية لرؤية قيادية أدركت أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على تنويع اقتصادها وتنمية رأس مالها البشري.
لم تعد المشاريع الكبرى أفكاراً على الورق، بل مشاريع عملاقة.. وملامح اقتصاد جديد، مُدناً تنمو على الأرض. مشروع نيوم، بمفهومه المستقبلي وابتكاراته التقنية، يمثل نموذجاً لاقتصاد قائم على المعرفة والاستدامة، فيما ترسم القدية ملامح صناعة ترفيهية متكاملة، ويُعيد مشروع البحر الأحمر تعريف السياحة البيئية الفاخرة. وفي قطاع ريادة الأعمال، تصدّرت المملكة المنطقة في قيمة الاستثمار الجريء خلال عامي 2023 و2024، مع معدل نمو سنوي مركب بلغ 49% بين 2020 و2024، متجاوزةً المتوسط الإقليمي، ما يعكس بيئة أعمال أكثر نضجاً وجاذبية. أما الاستثمارات السيادية عبر صندوق الاستثمارات العامة، فقد جعلت من المملكة لاعباً مؤثراً في الأسواق العالمية، مستثمرةً في قطاعات التقنية والطاقة المتجددة والصناعة والسياحة، بما يعزز حضورها في الاقتصاد الدولي.
لم يقتصر التحول على الاقتصاد، بل شمل التحول الرقمي وجودة الحياة من خلال البنية المؤسسية للدولة. حيثُ حققت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك نسبة 99.35 % في مؤشر الأمم المتحدة للحكومة الرقمية، في خطوة تعكس تسارع التحول الرقمي وتحسين بيئة الأعمال. كما توسعت خدمات الصحة والتعليم والإسكان والنقل، ضمن برنامج جودة الحياة، لتعزيز رفاهية المواطن وجعل المدن السعودية أكثر استدامة وتنافسية.
يقف ها هُنا وفي قلب هذا التحول سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، الذي قدّم رؤية شاملة تتجاوز الإصلاح الاقتصادي إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والثقافية للدولة.. لتنتقل السعودية من موقع المتأثر بالتحولات الدولية إلى موقع المؤثر فيها، مستثمرةً ثقلها الاقتصادي ومكانتها الجيوسياسية، ومقدمةً نموذجاً لدولة قادرة على الجمع بين الأصالة والحداثة.
محلياً، عزز تمكين المرأة ورفع نسبة مشاركتها في سوق العمل، ودعم الشباب عبر برامج ريادة الأعمال والتوظيف، وفتح قطاعات جديدة كالسياحة والترفيه والصناعات العسكرية. ودولياً، رسّخ حضور المملكة في مجموعة العشرين، وعزّز الشراكات الاستراتيجية شرقاً وغرباً، لتصبح الرياض منصة حوار سياسي واقتصادي عالمي، ومركزاً لصياغة التوازنات الإقليمية.
في 2026، لا يبدو يوم التأسيس مجرد احتفاء بالماضي، بل وعدٌ يتجدد وإعلان ثقة بالمستقبل. إنه تذكير بأن الدولة التي بدأت مشروعها قبل ثلاثة قرون، قادرة على أن تُعيد تعريف نفسها في كل مرحلة تاريخية، دون أن تفقد هويتها. فما بين الدرعية التاريخية ومشاريع المستقبل، تمتد خيوط قصة واحدة: قصة وطنٍ عرف كيف يحوّل التحديات إلى فرص، والطموحات إلى منجزات. وفي ظل قيادة حكيمة ورؤية واضحة، تمضي المملكة نحو أفقٍ أوسع، حيث الاقتصاد المستدام، والمجتمع الحيوي، والدولة المؤثرة.
يوم التأسيس ليس ذكرى.. بل وعدٌ بأن القادم أعظم، وأن السعودية، التي بدأت من قلب الصحراء، تواصل اليوم كتابة فصلٍ جديد في سجل الأمم.