رمضان جريدي العنزي
في يوم التأسيس، لا نحتفي بتاريخٍ مضى، بل نستدعي الجذور الأولى التي نبت منها المجد، يوم بدأت الحكاية من قلب الدرعية، حين أُرسيت دعائم الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود، فكان التأسيس وعدًا، وكان الوطن فكرةً آمنت بالاستمرار، هو يومٌ تتكئ فيه الذاكرة على ثلاثة قرون من الصمود، وتفتح صفحاتها لتروي قصة أرضٍ لم تعرف الانكسار، وشعبٍ صاغ وحدته من قيمه، لا من المصادفة، هنا لم يُبنَ الوطن بالحجارة وحدها، بل بالإرادة، وبالعهد الذي قطعه الإنسان لهذه الأرض أن تبقى شامخة، عصية على الزوال.
يوم التأسيس هو اعتزازٌ بهويةٍ تشكّلت عبر الزمن، وبثقافةٍ ضاربة في العمق، وبقيادةٍ جعلت من العدل أساس الحكم، ومن الانتماء نهجًا، هو تأكيدٌ أن ما نعيشه اليوم من أمنٍ واستقرار لم يكن وليد اللحظة، بل ثمرة تاريخٍ طويل من البناء والحكمة، وفي هذا اليوم، نقف إجلالًا لمن أسسوا، ووفاءً لمن حافظوا، وعزمًا على أن نكمل المسيرة، فالمملكة العربية السعودية لم تبدأ من فراغ، ولن تمضي بلا أثر؛ إنها وطنٌ كُتب مجده منذ التأسيس، وما زال يُكتب فصلًا بعد فصل، ليس يوم التأسيس تاريخًا يُعلّق على جدار الذاكرة، بل روحًا تسري في وجدان الوطن، هو اليوم الذي قررت فيه الأرض أن تتكلم عربيًا سعوديًا، وأن تمنح اسمها لحكايةٍ لا تشبه سواها، من الدرعية، حيث التقت الحكمة بالإرادة، وُلد الوطن فكرةً، ثم كبر قدرًا، ثم صار مجدًا، في ذلك البدء، لم تكن الدولة حدودًا مرسومة، بل كانت قيمًا تُغرس، وراية تُرفع على أساس العدل، وعهدًا بين القائد والناس: أن يكون الانتماء أسبق من الخوف، وأن يكون البناء أطول عمرًا من الهدم، فمضت القرون، وبقي الوعد.
يوم التأسيس هو ذاكرة الطين حين صار قصرًا، وصوت السيف حين صار أمانًا، وخطوة الإنسان الأولى وهو يثق أن هذه الأرض لن تخذله، هو حكاية وطن لم يستعر قوته من الزمن، بل صنع زمنه بيده، نحتفي به اليوم لا لنسترجع الماضي، بل لنؤكد أن الجذور ما زالت حيّة، وأن الشجرة التي زُرعت قبل ثلاثة قرون ما زالت تثمر عزةً، وسيادة، واسمًا يليق بالمستقبل، هنا السعودية، وطنٌ إذا بدأ، أتقن البدايات، وإذا استمر، كتب التاريخ من جديد، في يوم التأسيس، يقف الزمن وقفة إجلال، وتُنصت القرون لنداء البدء الأول، هنا، حيث الدرعية لم تكن موضعًا على خارطة، بل قدرًا كُتب بعناية، شُيِّدت الدولة على بصيرة، واتخذ المجد مقامه منذ اللحظة الأولى، لم يكن التأسيس حدثًا عابرًا في سجل الأيام، بل إعلانًا عن ولادة كيانٍ أدرك معنى السيادة قبل أن تُعرَّف، وأتقن فن البقاء قبل أن تُختبر صعوبته، قامت الدولة السعودية الأولى على دعائم راسخة: عدلٌ يُحكم، ووحدةٌ تُصان، وانتماءٌ لا يتزعزع مهما تبدّلت الأزمنة، يوم التأسيس هو شهادة التاريخ أن هذه الأرض لم تُمنح عظمتها، بل انتزعتها بحكمة قادتها، وبسالة رجالها، وصدق عهدها، هو ذاكرة وطنٍ صاغ هويته من عمق القيم، لا من طارئ الظروف، وجعل من الاستمرار ميثاقًا لا يُنقض.
وفي هذا اليوم، لا نكتفي بالاحتفاء، بل نُجدِّد العهد: أن تبقى المملكة العربية السعودية كما أُريد لها منذ التأسيس؛ دولةً شامخة، وسيادةً مصونة، واسمًا إذا ذُكر اقترن بالهيبة، فمن هنا بدأ التاريخ يأخذ شكله، ومن هنا ما زال يُكتب بمداد المجد، في يوم التأسيس، لا يُستدعى التاريخ، بل ينهض، ولا تُروى الحكاية، بل تتجلّى. هنا، حيث أُخذ القرار من جوهر الأرض، لا من هوامش الزمن، ابتدأت الدولة السعودية الأولى قدرًا مكتوبًا بالثبات، لا صدفةً عابرة. في الدرعية، اجتمعت الإرادة بالحكمة، فكان التأسيس فعل وعيٍ سبق عصره، وبصيرةٍ أدركت أن الدول العظيمة تُبنى على المعنى قبل البنيان، لم يكن ذلك البدء ارتجالًا، بل صياغة متقنة لعهدٍ طويل النفس، جعل من العدل ميزان الحكم، ومن الوحدة سياج الوطن، ومن الانتماء أصلًا لا يُساوَم عليه، فمضت القرون، وتعاقبت التحولات، وبقي الأساس عصيًّا على التصدّع، لأن ما يُبنى على الحق لا تهزّه العواصف يوم التأسيس هو شهادة الذاكرة أن هذه الأرض لم تنحنِ لتصنع بقاءها، بل ارتفعت لتصوغ سيادتها، هو اعتراف الزمن أن المملكة العربية السعودية لم تُستكمل لاحقًا، بل اكتملت فكرةً منذ لحظتها الأولى، ثم أخذت تنمو في التاريخ نموّ اليقين، وفي هذا اليوم، لا نحتفي بماضٍ منقضٍ، بل نقف في حضرة أصلٍ ما زال فاعلًا، وجذرٍ ما زال يمدّ الوطن بقوته.
نجدد العهد مع التأسيس: أن تبقى السعودية دولةً إذا بدأت، أحكمت، وإذا امتدّت، أبهرت، وإذا ذُكرت، اقترنت بالهيبة، فمن هنا لم يبدأ وطنٌ فحسب، بل بدأ ميزانٌ جديد للمجد، إن يوم التأسيس هو لحظة وعيٍ جمعي، نستحضر فيها يقين البدايات لنقيس به عظمة الامتداد، هو إقرار بأن المملكة العربية السعودية لم تُشيَّد فوق الفراغ، بل ارتكزت على أصلٍ متين، تشكّلت فيه الهوية قبل الحدود، واستقر فيه المعنى قبل الاسم، وفي هذا اليوم، لا نُحيي ذكرى، بل نُجدد عهدًا: أن يظل الوطن وفيًّا لتأسيسه، شامخًا في سيادته، راسخًا في قيمه، ممتدًا في أثره، فالسعودية لم تبدأ لتكون دولة فحسب، بل لتكون مبدأً، وإذا كانت المبادئ عظيمة، خلّدها التاريخ، في يوم التأسيس، لا يُقاس الزمن بسنواته، بل بقدرته على إنجاب المعنى.
يومٌ خرج فيه الوطن من حيّز الاحتمال إلى يقين الوجود، حين اتخذت الدرعية قرارها التاريخي بأن تكون أصلًا لا ظلًّا، ومرجعًا لا تابعًا، فكان التأسيس فعل سيادةٍ واعية، لا استجابةً لطارئ، ولا انقيادًا لظرف، هناك، حيث اجتمع الرأي الرشيد بصلابة العزم، نهضت الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود قيامَ من أدرك أن الدول لا تُشاد بالقوة العارية، بل بالقيم المحكمة، وأن البقاء لا يُستجدى من الزمن، بل يُنتزع منه انتزاعًا بالحكمة والعدل وحسن التدبير، لم يكن ذلك البدء وعدًا مؤجلًا، بل عقدًا مُبرمًا مع المستقبل؛ عقدًا جعل من الإنسان ركيزة الدولة، ومن الأرض وعاء الهوية، ومن الانتماء سياجًا لا تُخترق حدوده. ولهذا ظلّ الأساس قائمًا، مهما تعاقبت الفصول، لأن ما يُبنى على البصيرة لا تزعزعه التحوّلات، ويوم التأسيس ليس استذكارًا لحدثٍ مضى، بل استحضارًا لأصلٍ فاعل، وميزانًا نزن به الحاضر ونستشرف به الغد، هو إعلانٌ متجدد أن المملكة العربية السعودية لم تُخلق من فراغ التاريخ، بل صاغت تاريخها بوعيها، وكتبت اسمها بمداد السياد، وفي هذا اليوم، نقف لا لننظر إلى الخلف، بل لنتأكد أن الجذر ما زال يُغذّي الساق، وأن العهد الأول ما زال نافذًا في وجدان الدولة، فالسعودية، منذ التأسيس، لم تكن مشروع بقاء فحسب، بل مشروع معنى، ومن يُحسن صناعة المعنى، يملك الخلود.