د. يعقوب بن يوسف العنقري
تتجدد الذكرى والاعتزاز مع حلول هذه المناسبة الوطنية الكبرى (يوم التأسيس)، نستذكر فيه هذه المنّة التي أكرم الله بها هذه الأرض، وعودتها للقيام بدورها الحضاري والإنساني، بعد أن أسس الإمام محمد بن سعود آل سعود -طيب الله ثراه- هذا الكيان، ووضع لبنته الأولى، وجمع أجزاءه في عقدٍ واحدٍ متماسك، وهوية واحدة، وقيادة واحدة، فعاد للجزيرة العربية دورها الحضاري والإنساني الذي ضعف بعد عصر الخلفاء الراشدين، بعد انتقال مركزية الحكم خارج الجزيرة العربية، بل تلاشى دور الجزيرة العربية بعد سقوط الدولة العباسية، وخرجت من سياق ركب التطور، وغرقت في براثن التفرق والفوضى وانعدام الأمن، والعصبيات الضيقة، ولم يعد هناك هوية جامعة تجمع الناس في الجزيرة العربية حتى أذن الله بعودة الأمن بعد الخوف، والاجتماع بعد الفرقة، والمحبة بعد العداء، والتنمية بعد الخراب.
وعندما نعود إلى الموروث الشعري في الفترة التي سبقت قيام كيان الدولة السعودية الأولى، نجد أن مظاهر الافتخار في الشعر آنذاك تُظهر معالم تلك المرحلة، من الافتخار بأخذ حقوق الآخرين بالقوة في ظل ثقافة (الغزو والكسب)، وما صاحب ذلك من ظلم وقتل؛ وهو ما يدل على حالة الفوضى وغياب الأمن التي كانت تعيشها الجزيرة العربية قبل تأسيس الدولة السعودية الأولى. ومع قسوة تلك المرحلة، إلا أن من جوانبها الإيجابية أنها جعلت الجزيرة العربية بيئةً طاردة للمستعمرين، وأسهمت في الحد من أطماعهم، إلى جانب غيرها من العوامل.
إنَّ شعورَ الإنسان بقيمته الإنسانية، وممارسته لدوره في عمارة الكون، لا يمكن أن يتأتّى مع غياب للدولة؛ فوجود كيان الدولة أمرٌ رئيس في تحقيق الضرورات الإنسانية وحفظها، وبدون ذلك لن يتمكن الإنسان من القيام بدوره، ولن يكون لأعماله تأثيرٌ.
لذلك فإن المتأمّل في تاريخ الجزيرة العربية يدركُ أن مركزية الجزيرة العربية في البناء الحضاري عادت مع تأسيس الدولة السعودية الأولى، بعد أن انتقل هذا الدور خارجها منذُ عصر الخلفاء الراشدين؛ وقد شاء الله أن تكون هذه الأسرة المباركة سبباً في استعادة الجزيرة العربية لدورها الحضاري على أيديهم، وفهم هذا المعنى يُعدّ أمرًا مهمًا ينبغي استحضاره في هذه المناسبة العظيمة.