محمد بن عبدالله آل شملان
يمثل يوم التأسيس مناسبة وطنية لاستحضار بدايات الدولة السعودية الأولى، والتذكير بالجهود السياسية والعسكرية والاجتماعية التي أسهمت في قيامها وتوسّعها.
هو يوم يسلّط الضوء على القيادات والرجال الذين شاركوا في تثبيت أركان الدولة وبسط نفوذها وتحقيق الاستقرار في مناطق متعددة من الجزيرة العربية.
ومنهم ربيِّع بن زيد المخاريم الدوسري الذي يعتبر من مشاهير قادة الدولة السعودية الأولى، ونموذجًا للقيادات المحلية التي أسهمت في دعمها وتوسيع نفوذها من خلال العمل العسكري والتنظيم الإداري.
كما يمثّل قصره في وادي الدواسر شاهداً معمارياً على مرحلة التأسيس وما صاحبها من جهود لحماية المناطق وتأمينها.
في يوم التأسيس لا نقف أمام صفحة من الماضي لنقرأها فحسب، بل نقف أمام سيرة وطن بدأ فكرة في القلوب قبل أن يصبح دولة على الأرض.
هو يوم نستعيد فيه اللحظة التي اجتمع فيها الإيمان بالعزم، والدعوة بالسيف، والرؤية برجالٍ صدقوا العهد، فصنعوا من الرمال كياناً، ومن الشتات وحدة، ومن الخوف أمناً.
في عام 1139هـ/ 1727م، انطلقت في الدرعية نواة الدولة السعودية الأولى بقيادة الإمام محمد بن سعود، فكانت بداية مشروعٍ سياسي وديني واجتماعي، هدفه جمع الكلمة وإقامة العدل ونشر الاستقرار.
ومن تلك البلدة الطينية الصغيرة خرج نور امتد أثره إلى أودية نجد، ثم إلى أطراف الجزيرة العربية.
لم تُبنَ الدولة بالقصور ولا بالأموال، بل بالرجال.
رجال حملوا العقيدة قبل السلاح، والولاء قبل الغنائم، ورأوا في الطاعة شرفاً وفي التضحية واجباً.
ومن بين أولئك الرجال، يبرز اسم ربيع بن زيد المخاريم الدوسري، أحد أبرز القادة العسكرية في الدولة السعودية الأولى، ورمزاً من رموز الثبات في جنوب نجد ووادي الدواسر.
ففي عام 1199هـ، قدم ربيع بن زيد مع أخيه بدن إلى الدرعية، قاصدين الانضمام إلى الدولة السعودية الناشئة.
لم يأت طالباً جاهاً أو منصباً، بل جاء طالب انتماء.
أعلنا السمع والطاعة، فاستقبلهما الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود، وأمدّهما بالمال والسلاح، إيماناً بما لمس فيهما من صدق وعزم.
يصف المؤرخ عثمان بن بشر حالهما بقوله: «أقاما في الوادي أتم القيام وصارا ردماً في الوادي لا يُرام، وهدى الله بهما ناسًا كثيرة».
وكانت تلك الشهادة كافية لتلخص أثرهما؛ فقد أصبحا حصناً لوادي الدواسر، ودعامة من دعائم الدولة.
عاد ربيع إلى بلاده، لا كفرد عادي، بل كقائد يحمل مسؤولية منطقة بأكملها. فبنى القصور لتكون مراكز قوة، وجمع الرجال، ونظم الصفوف، وأقام الحاميات، ونشر الدعوة الإصلاحية بين القبائل. لم يكن يعتمد على السيف وحده، بل على الإقناع والكلمة الطيبة، حتى دخل الناس في طاعة الدولة اقتناعاً لا رهبة.
وفي عام 1202هـ، قدم وفد من أهل الوادي إلى الدرعية معلنين الولاء الرسمي، في مشهد يعكس نجاح جهوده العسكرية والدعوية معاً.
ساحات القتال
لم يكن ربيع قائد منطقة فحسب، بل كان ذراعاً عسكرية يعتمد عليها أئمة الدولة في المهام الكبرى، خاصة في عسير والحجاز، حيث كانت المواجهات مستمرة مع قوات شريف مكة.
من أبرز مشاركاته العسكرية:
- 1204هـ و1208هـ: شارك في قتال القوات الموالية للشريف في حملات متفرقة.
- 1209هـ: كان في معية قوات الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد في معركة تربة.
- 1210هـ: تولى قيادة القوات بنفسه، وخاض معارك مستقلة أثبت فيها كفاءة قيادية عالية.
- معركة الجمانية 1210هـ: شارك بقواته في المعركة التي مُني فيها الشريف غالب بالهزيمة.
- 1211هـ: خرج منفرداً في حملة إلى نواحي تربة وبيشة بأمر من الإمام عبدالعزيز.
- 1212هـ: تمكن من دخول بيشة وهزم القوات المعادية، كما قاد القوات السعودية شرق الطائف، وألحق هزائم متتالية بقوات الشريف، ومنها وقعة «تين».
كانت تحركاته سريعة، وضرباته حاسمة، حتى صار اسمه يسبق جيوشه، وتهابه المواقع قبل أن يصلها.
رجل دولة لا طالب مجد
لم تُسجَّل عنه رغبة في سلطة أو مكسب، كان يرى نفسه خادماً للدولة، وجندياً في صفوفها، وقائداً عند الحاجة.
كان إذا نودي للجهاد لبّى، وإذا طُلب للصلح سعى، وإذا اشتدت الخطوب ثبت.
أمثاله هم الذين جعلوا الدولة السعودية الأولى أكثر من حدود جغرافية؛ جعلوها فكرة راسخة في القلوب.
وفي يوم التأسيس، حين نحتفل بقيام الدولة، فإننا لا نحتفل بالحجارة ولا بالأسوار فقط، بل نحتفل بأسماء ربما غابت عن الألسن، لكنها لم تغب عن التاريخ.
نحتفل بأمثال ربيع بن زيد المخاريم الدوسري، الذين حملوا على عواتقهم مسؤولية التأسيس، ودفعوا أعمارهم ثمناً للاستقرار الذي نعيشه اليوم.
رحم الله رجال التأسيس، وجزى الله ربيع بن زيد وإخوانه خير الجزاء، فهم الذين كتبوا التاريخ بالفعل، قبل أن يُكتب بالحبر.
قصر ربيع بن زيد
في بعض الأماكن، لا تكون الحجارة صامتة، بل تتكلم، تسرد حكايات مضت، وتهمس بأسماء رجال عبروا من هنا، وتركوا أثرهم في الرمل والريح والزمان.
ومن تلك الأماكن التي لا تُزار بالعين فقط، بل بالقلب أيضاً، يقف قصر ربيع بن زيد المخاريم الدوسري شامخاً في قلب وادي الدواسر، كأنه شاهد حجري على زمن التأسيس، وزمن الرجال الذين صنعوا الوطن قبل أن يُسمّى وطناً، ليس مجرد قصر، بل سيرة كفاح.
يعود تاريخ هذا القصر إلى عهد الدولة السعودية الأولى، تلك المرحلة التي لم تكن فيها الدولة قصوراً فاخرة، بل حصونًا تحرس فكرة عظيمة.
في حي المعتلا، وعلى مساحة تقارب 1600 متر مربع، ارتفعت جدرانه من الطين واللبن، لكنها كانت أصلب من الصخر؛ لأن ما يحميها لم يكن الجدار، بل الرجال الذين يسكنونها.
هناك اختار ربيع بن زيد المخاريم الدوسري أن يجعل من قصره مقراً للقيادة، ومأوى للمجاهدين، ومنطلقاً للدعوة والإصلاح، لم يكن بيتاً خاصاً، كان وطناً مصغراً.
تفاصيل البناء.. وروح المكان
يتكوّن القصر من السكن الخاص ومجالس الضيافة، حيث كانت تُستقبل الوفود وتُعقد المشاورات وتُتخذ القرارات. فلم تكن الضيافة كرماً فحسب، بل سياسة حكيمة لكسب القلوب وتوحيد الصفوف. وفي زواياه الأربع ترتفع الأبراج، تبرز إلى الخارج بنصف مساحتها، كأنها عيونٌ ساهرة لا تنام.
أبراج من دورين:
- الأسفل للحماية والتخزين.
- الأعلى للمراقبة والحراسة.
أما القبو السفلي، فكان مستودعاً للسلاح والمؤونة، استعداداً لكل طارئ، ولكل معركة محتملة. فالحياة آنذاك لم تكن هادئة؛ كانت يقظة دائمة بين دعوة وجهاد. وفي الجزء الجنوبي إسطبل للخيل، والخيل يومها لم تكن وسيلة تنقّل، بل شريك في النصر، ورفيق في القتال، وصوت يعلن قدوم الرجال.
خارج القصر، في جهته الشرقية الشمالية، يقع المسجد. من ذلك المسجد خرجت الدعوة، واجتمع الرجال، وتوحّدت الكلمة. وكأن القصر يقول: الإيمان أولاً، ثم السلاح.
هنا مجلسٌ خُططت فيه حملة، وهنا ساحة اجتمع فيها الرجال قبل المسير، وهنا برجٌ سهر فيه الحراس يرقبون الأفق، وهنا قبو خُزّن فيه السلاح استعداداً ليوم لا يُعرف متى يأتي.
لم يكن ربيع يبني جدراناً ليحتمي بها، بل ليحتمي الناس خلفها، كان يرى القصر مسؤولية، لا ملكية. ومن هذا المكان انطلقت حملاته إلى عسير والحجاز وبيشة والطائف، ومنه عاد بالنصر تارة وبالثبات دائماً.
يوم التأسيس.. حين تنبض الجدران بالذكريات
في يوم التأسيس، حين نحتفل بتاريخ الدولة السعودية الأولى، فإن هذا القصر ليس أثراً معمارياً فحسب، بل وثيقة حية.
هو شهادة بأن الوطن لم يُبنَ بين ليلة وضحاها، بل بُني بالتعب وبالسهر وبقلوب مؤمنة.
هو شاهد على زمنٍ كان فيه الرجال ينامون وسيوفهم إلى جوارهم، ويستيقظون على نداء الواجب. وحين تقف أمامه اليوم، تشعر أن الريح ما زالت تحمل صهيل الخيل، وأن صدى التكبير وقراءة القرآن الكريم ما زال يتردد بين جدرانه. كأن التاريخ لم يغادره بعد.
ختاماً: يبقى قصر ربيع بن زيد أكثر من طينٍ وحجارة، إنه ذاكرة وطن، ورمز وفاء، ودليل على أن التأسيس لم يكن قراراً سياسياً فحسب، بل تضحية رجال.
رحم الله أولئك الرجال الأبطال، الذين جعلوا من بيوتهم حصوناً، ومن أعمارهم جسوراً نعبر عليها اليوم نحو الاستقرار. فلو تحدّثت الجدران، لذكرت أسماءهم واحداً واحداً.